في سوريا حرب بالوكالة. أو قل إنها تجاوز الوكالة لما هو أسوأ. بداية الثورة السورية لم تكن كذلك. انطلقت الثورة من رحم الألم الداخلي مطالبة بإصلاحات سياسية ، ثم تحولت إلى السلاح لإسقاط النظام. تحولات الثورة، واعتماد النظام للحل الأمني العسكري، أعطى فرصة جيدة لاستثمار خارجي للأزمة، بحيث فتحت الحلول الأمنية الأبواب أمام الدول الإقليمية والدولية للشراكة غير المباشرة، وأحيانا المباشرة في الصراع.
تحولات الصراع السوري لم تعد بيد أطراف المعادلة السورية الداخلية، حيث انتقل مركز الثقل من الداخل إلى الخارج، ومن المحلي إلى الدولي ، هذا الانتقال خطير عادة، لأن مصالح الخارج واستراتيجيته لا تلتقي غالباً مع مصالح أطراف الصراع في الداخل، وغالباً ما يتأثر القرار الداخلي بضغوط الخارج وتهديداته.
عندما تتصادم مصالح الدول الكبرى على أرض دولة صغيرة في ظل صراع ما ، يقولون هذه حرب بالوكالة، هذا صحيح ولكن الأزمة السورية، أو قل الحرب الداخلية السورية أكثر تعقيداً من اختصارها في عبارة حرب بالوكالة.
إنك يمكن أن تلمس بعضاً من هذه التعقيدات من طول سنوات الصراع، ومن كثرة الخسائر البشرية والمادية، ومن استخدام الأسلحة كافة، ومن كثرة اللاجئين الذين يغادرون بيوتهم، ومن غياب الحلول السياسية الممكنة للأزمة، ومراوحة القتال مكانه ، فلا غالب ولا مغلوب، والخارج ينتظر مرحلة ركوع الطرفين معا ، لكي يستثمر عملية الركوع في حل يمليه على الطرفين، وتكون الغلبة فيه لمصالحه هو.
إنك إذا نظرت بإمعان إلى مشكلة السلاح الكيمياوي ، ثم إلى موقف السعودية من اتفاق الكبار على الكيمياوي السوري، ثم نظرت إلى انتقاد ( مكين، وجراهام ) لسياسة أوباما، مع دول المنطقة، من ناحية ، ومع المعارضة من ناحية ثانية، ومع ترك مقعد القيادة في هذه المسألة لروسيا، بعد الحصول على رضا إسرائيل ، تدرك حجم تعقيدات الأزمة وتحولاتها.
مما لا شك فيه أن التحولات المعقدة والمتداخلة يتولد عنها أسئلة مربكة ، فأصدقاء الثورة السورية يرغبون في أن يسقط نظام الأسد، وأن يخرج بشار من الحكم بجنيف، أو بالقوة المسلحة. ولكن للنظام مؤيدين يرغبون في بقاء نظام الأسد، أو بقاء نظام يكون امتداداً له، ويتمنون كسر شوكة الثورة. وهناك طرف ثالث يملك جزءاً كبيراً من القرار، ولا تستطيع الأطراف الدولية الكبرى تجاوز موقفه ورأيه، وأعني به إسرائيل. ومن ثم يمكن القول إن جل تعقيدات الحالة السورية ، وتحولاتها الممتدة في الإقليم وفي المجتمع الدولي ترجع إلى وجود إسرائيل في المنطقة العربية، ولكون سوريا دولة حدود مع فلسطين المحتلة.
من التحولات الكبيرة رفض السعودية غير المعلن للموقف الأميركي من مسألة الكيمياوي السوري، و قد عبرت عن هذا برفضها العضوية في مجلس الأمن، وإحساساً من مكين وجراهام من خطورة التحول في الموقف السعودي ،انتقد الرجلان سياسة أوباما في المنطقة العربية. ولكن يقابل هذا الانتقاد برضا إسرائيلي عن سياسة أوباما في سوريا، والغلبة لإسرائيل عادة. ولكن ثمة عدم رضا إسرائيلي عن سياسة أوباما مع إيران لأنها تطلب الأكثر. ولا تقف الأسئلة المعقدة عند السعودية وإسرائيل ، بل لها نظائر في تركيا، وفي مصر، وفي الإمارات ، وفي دول أخرى. لذا قلنا إن الصراع في سوريا يتجاوز المفهوم المعتاد لما يسمونه حرباً بالوكالة. لقد باتت معارك ممتدة ، ومنهكة، ولا تقبل الحلول السياسية المطروحة حاليا، وعلى الأطراف مواصلة القتال، إلى مرحلة الحسم، أو إلى ما قبلها بخطوة واحدة فقط. وعلى الأطراف الداخلية في سوريا، وعلى الأطراف العربية مراجعة مواقفها وسياساتها في ضوء الموقف الإسرائيلي صاحب القسط الأكبر في القرار الأميركي والروسي أيضاً.