أن تتباين المواقف و ردود الفعل على خطاب هنية فهذا أمر طبيعي ومرتبط بالزوايا التي نظر إليها كل طرف لمضمون الخطاب , لكن الذي ليس طبيعياً هو تحديد الموقف بلا قراءة , وقول الرأي بلا تمحيص ودراسة , والأغرب هو اعتباره كله أسود ومضيعة للوقت . فنحن أمام انقسام داخلي , وتحديات وطنية وقومية كبرى تتطلب التفرغ لها , ومطلوب من كل الأطراف أن تُنفذ ما عليها حسب الاتفاق المُعلن الأخير في القاهرة والدوحة , والذي ينص على بدء التطبيق بتشكيل عباس حكومة كفاءات برئاسته , وبعدها تشرف هذه الحكومة على إجراء انتخابات وتحقيق المصالحة المجتمعية . لذا أستغرب من بعض الأصوات التي تطالب حماس بمواقف عملية بعد خطاب هنية ,علما أن الجميع يعلم قبل الخطاب وبعده أن الخطوة الأولى , وضربة البداية ,هي لدى عباس وليس لدى أحد غيره .
موقف الفصائل السياسية كالجبهتين الشعبية والديمقراطية , والجهاد الإسلامي , والعديد من الفصائل كان متزناً , ومتروياً , وحكيماً , كذلك موقف العديد من التجمعات الأهلية ومؤسسات المجتمع والشخصيات الاعتبارية ...حتى موقف فتح تباين من خلال تباين تصريحات قادتها ورموزها , فمنها من هو مرحب , ومنها من شن هجوماً كالعادة .أزعم أن واقع العلاقات الوطنية بين الفصائل بعد خطاب هنية جيد , وله دلالات مبشرة , وأنه غير مسبوق ,لكن الأهم برأيي هو البناء عليه , والانطلاق نحو تحرك أكثر موضوعية وإنصافاً. لأن مضمون الخطاب فيه ما يُشكل منطلقاً نحو المصالحة .
وهنا دعونا نتفق أن المصالحة تعني إنهاء حالة الانقسام , ولا تعني تطابق البرامج واندماج الفصائل , لكن علينا الاعتماد على القواسم المشتركة الوطنية وهي معروفة ومتفق عليها , والاعتماد على المنهج الشوري والممارسة الديمقراطية في تنظيم خلافاتنا السياسية والمجتمعية , ونحترم أصول اللعبة السياسية , وقواعد الممارسة الانتخابية . أعتقد أن الطريق الآن أكثر تمهيدًا وتهيئة ونضوجاً للشراكة الحقيقية لمن يرغب , ولكنها أكثر تعقيداً ووعورة لمن لا يريد الشراكة ويُريد الإقصاء وشطب الآخر . لأن تجربة السنوات الماضية أثبتت يقيناً وبالدليل الواقعي الجازم فشل الإقصاء والتهميش والشطب والتفرد , وتحرير فلسطين يحتاج لكل الوسائل والأساليب مهما كانت بسيطة أو معقدة , ومهما كانت رخيصة أو مُكلفة , والتحرير عملية مُعقدة وشاملة وكاملة , وهي أكبر من أي فصيل مهما بلغت قوته ونفوذه , وتستوعب كل العقول والجهود والطاقات والآراء ما دامت في إطار التفاهم الوطني العام . القطار لم يمر بعد , وما زال في الوقت متسع لمن أراد أن ينفض عن نفسه غبار وتراب الانقسام . ويكفي جديد خطاب هنية أنه جدد الأمل , وحرك المياه الراكدة , وفتح طاقة للتحرك التصالحي . أما من ينتظر الجديد بأن يقول هنية : إنني رفعت الراية البيضاء , وإنني متنازل فهذا سينتظر كثيراً وسيمر عنه القطار وسيبقى مكانه إن لم يلحق بقطار الوطن والمصالحة .