كانت كلمات رئيس الوزراء اسماعيل هنية أمس ١٨/١٠/٢٠١٣ حول نزيف المنافي الفلسطينية في سوريا ولبنان والعراق مفعمة بالمشاعر الوطنية الصادقة. ( لا تخاطروا بأنفسكم وتركبوا البحر ، وإذا ضاقت بكم فأتوا إلى غزة المحاصرة فهي لن تضيق بأهلها، وهذا جزء أصيل من التزامنا بحق العودة).
ومن المعلوم ان المئات من الفلسطينيين السوريين من الأطفال والنساء والرجال قضوا غرقا في البحر المتوسط بعد ان فروا من الحرب والموت في سوريا، وبعد ان ضاقت بهم ارض مصر على سعتها وامتدادها وحبهم لأهلها.
من لجوء إلى لجوء، ومن منفى إلى منفى، قصة حياة الفلسطيني بعد عام ١٩٤٨ م، وحت الآن. نزيف المخيمات لم يتوقف يوما واحدا، إذا ابتسم اليرموك يوما للاجئين ، تجهم لهم صبرا وشاتيلا واكل خيرة شبابهم، وإذا ظفروا برعاية حسنة في عهد صدام، عاقبهم المالكي وأعداء صدام، وإذا عاملهم عبد الناصر معاملة المصري ، قلب لهم ظهر المجن من جاءوا بعده، وهكذا دواليك حال اللاجئين في الأردن ، وليبيا ، وسائر المنافي، نزيف دائم ، ولجوء قسري دائم أو الموت. إما الموت بالرصاص في المخيمات بيد الدولة ، أو الموت في البحر هروبا من المخيمات ومن صراع الدولة مع معارضيها.
لا توجد كلمة خالية من الأمن ومن الاستقرار أكثر من كلمة لاجئ فلسطينيين ؟! اللاجئ الفلسطيني في مخيمات الشتات لا يملك حياة مستقرة، وهو لا يأمن على نفسه، ولا يأمن على ماله، ولا على متجره أو مصنعه، هو لاجئ وليس مواطنا ، هو متهم من أجهزة المخابرات العربية قاطبة، وهو ملاحق عند أمن الدولة في كل العواصم العربية فقط لأنه فلسطيني لاجئ. لا ذنب له في التاريخ أو الجغرافيا، أو الاجتماع والسياسية والاقتصاد غير انه لاجئ خرج من فلسطين قسرا بقوة نيران العدو الصهيوني.
تخيل ان الفلسطيني المحظوظ والمحسود من الآخرين هو الفلسطيني الذي صبر على ظلم الاحتلال والتفرقة العنصرية في جغرافيا١٩٤٨ م ، أو الذي قاتل العدو في غزة والضفة وصبر على العذاب والسجون،. تخيل ان فلسطيني الشتات والمنافي يحسد أخاه القابع تحت الاحتلال ، ويتمنى لو ان بمكنته ان يكون هو وأولاده تحت الاحتلال. بلاد العرب اوطاني كلام إعلامي لا يغني ، ولا يشفي، ولا ينقذ من الغرق ، أو الموت بالرصاص أو بالحصار. تخيل أننا محاصرين بغزة منذ سنوات ولم يأكل أحدنا القطط أو الكلاب ، بينما أفتى علماء سوريا لأهلنا في المخيمات ان يأكلوا القطط والكلاب؟!
لا فقد في العالم الحديث اشد وطأة على المرء من فقد الوطن. من فقد وطنه فقد حياته، وفقد مستقبل أولاده، اين ما عمره الآباء في مخيم اليرموك للأبناء؟ واين ما عمره وخطط له من سكن العراق لاجئا عقودا كاملة ، ثم فر هاربا إلى البرازيل بمتاعه القليل مما يحمله المسافر الخائف؟! وأخيرا وليس آخر فيما يبدو من قتل المئات في البحر المتوسط غرقا؟! هل قتلوا انفسهم فرار من القتل ، أم قتلهم من حرمهم حقهم في اللجوء والإيواء في أثناء الحروب ؟!
رئيس الوزراء يعرف كل الحيثيات ، ويشعر بكل المرارات ، وهو لا يملك لإخوانه إلا هذا النداء الصادق ، هلموا إلينا في غزة ولا تركبوا مخاطر البحر ، وغزة المحاصرة ، ضيقة الجغرافيا والمساحة، واسعة بأخلاقها، ممتدة بوطنيتها، وهي اول الطريق للعودة الحقة إلى فلسطين. اول القضية حق العودة، وآخر القضية هو حق العودة، ولا قضية للفلسطيني خارج العودة. ، أو قبل العودة ، ومن قال في السياسة غير ذلك فلا تصدقوه لانه لا يعرف معنى اللجوء ، ولم يحترق قلبه بما احترق به اللاجئ.