زمزم: لا تحسبوها شرا لكم

نشر 07 أكتوبر 2013 | 04:03

للمرة الأولى أعايش تلك اللحظة الدرامية بكتابة كلمات وأسطر ثم «جعلكة» الورقة وإلقائها في سلة المهملات مرارا وتكرارا، والكتابة ثم الحذف، والحذف ثم الكتابة، لأول مرة لا يطاوعني القلم ولا تسعفني الفكرة؛ ذلك أن بعض المواضيع والأشخاص لا يطاوع القلب في الكتابة عنهم وفيهم، ولكن يأبى الضمير الا أن يقول كلمته في وقت تختلط فيه الأمور والأوراق بين الحق والباطل!

أما الصعوبة في الكتابة عن زمزم فمردها أن المنظر الأول لها كان من أوائل من علموا جيلا كاملا من شباب الحركة الاسلامية مبادئ الولاء والبراء والتضحية والالتزام بالفكرة، وكان هو ممن أكلوا الحصرم مقابل مبادئه فطرد من وظيفته كأستاذ جامعي ومع ذلك ظل بيته مفتوحا للشباب يطعمهم فيه عشرة الزيت والزعتر والخبز والملح معجونا بألف باء مبادئ السياسة، وما زلت شخصيا أحتفظ بمحاضرة مكتوبة بخط يده في معاني ومفاهيم السياسة وكان مما جاء فيه أن السياسة ليست كما يشاع «فن الممكن» بل هي أحيانا «فن المستحيل»، فكثير من صفحات التاريخ السياسي العظيمة كتبها أناس طمحوا للمعالي ومشوا عكس التيار ولم ينحنوا للعاصفة، لذا كان من الغريب والمؤلم أن يسلك أمثال هؤلاء القيادات المسالك البراغماتية في الرضوخ للأمر الواقع ومحاولة النفخ في موات أنظمة وحكومات قائمة على الاستبداد والفساد لن تغير جلدها ولا سياساتها لا بحسن النوايا ولا بعظم المبادرات، ومن لم يتعلم من التاريخ أو من حاضر السنوات الثلاث الماضية بحاجة الى مراجعة ثقافته السياسية!

 

ولكني سأنحي الشخوص حفاظا على تاريخ من الود والعرفان يصعب نسيانه حتى عند الاختلاف، ولن أهاجم الفكرة، فالفكرة بلا شك سامية ومحبوكة لتعالج وتقدم حلولا لشعب وصل الى حد الهاوية، والثقة فيمن صاغ رؤيتها وأهدافها ووسائلها كبيرة ولكن تقديمها وإخراجها ووقتها كان من أكبر الطعون في مصداقيتها، وتشنج الكثيرون حتى من مجرد سماع اسمها ناهيك عن الدخان الكثيف واللغط الكبير الذي أثير حولها حتى من خارج أوساط الحركة الاسلامية ممن رأوا فيها محاولة انشقاقية واضحة عن الحركة الاسلامية، جماعة الاخوان المسلمين خصوصا، وإيجاد أطر بديلة، هذا غير اتهامها بالوجه العنصري، واستغراب سكوت الحكومة عنها بل اعتباره رضى ومباركة وتسهيلا لها كونها ستنافس وتحد من قوة ونفوذ الاخوان، بل اتهم أفرادها بأنهم ليسوا أكثر من طلاب مناصب ومراكز عندما لم يجدوها في الجماعة اصطنعوا لنفسهم مكانا آخرا!

 

والمستهجن من الجهتين، الاخوان والزمزمييون، أن رفاق الأمس لم يحسنوا ثقافة الاختلاف بل امتلأت وسائل الاعلام في الفترة الأولى بحرب التصريحات والتصريحات المضادة، وتخندق الفريقين كل في جهته مع محاولات خجولة لرأب الصدع لم تنجح في ردم هوة الخلاف أو زحزحة أي من الفريقين عن موقفه!

 

ولا ألوم الاخوان المسلمين فهم محقون في توجس الخيفة من مبادرة زمزم التي ضرب أصحابها الحائط بكل القوانين والأعراف والأطر التنظيمية المعروفة للعمل العام وقدموا أنفسهم منذ اللحظة الأولى كمبادرة منفصلة في الوقت الذي يعرف الجميع أن رؤساءها والأعضاء الفاعلين فيها هم من قيادات وأعضاء الجماعة وكان الأجدر بهم أن يستخدموا المظلة الكبيرة، ولو من باب الاستشارة والاعلام بالشيء، في اطلاق هكذا مشروع، يؤملون أن يكون حاضنة لكثير من فئات الشعب الذين ضلت وتفرقت بهم الطرقات والمذاهب وضُيعت حقوقهم، فذلك كان سيعطيهم قوة وزخما إضافيا في العدد والنوعية، أما العمل في الغرف المغلقة والمسالك الالتفافية ثم يكون «الزوج آخر من يعلم» ثم يخرجوا للمجتمع جنبا الى جنب مع من تلوث اسمهم وتاريخهم فذلك يراكم علامات الاستفهام والتخوف والاستبعاد!

 

والإخوان المسلمون مطالبون بأخذ موقف حاسم وحكيم من هذه المبادرة، فالتنظيم له مبادئ وقوانين لا يجب تجاوزها، حتى ولو كان الهدف ساميا لمجرد عدم رضى البعض عن سياسات الجماعة أو قياداتها في وقت ما، فالإصلاح الداخلي والعمل على التغيير من الداخل منهج معروف ومتبع لا لبس فيه وكان الأحرى بالزمزميين اتباعه، أما شق الصف والظهور بصورة البديل أو المرادف فلا بد أن يتعامل معه بالحزم الذي تقتضيه اللوائح حتى لا تزيد هذه الحالات التي تشذ عن القاعدة.

 

وبالمقابل احترم وجهة نظر الزمزميين وانتقاداتهم للجماعة التي تتسم بالمصداقية في ضرورة اجراء مراجعات بنيوية لأفكار وسياسات وأحوال الجماعة وتقديم مشاريع تنتشل الجماعة محليا من القعر الذي تود الحكومات لو تقذفها فيه، ان الاستمرار في «الطبطبة» على بعض الأخطاء والتجاوزات الخطيرة لن يفيد الجماعة، وكما نطالب الآخرين بالشفافية والمحاسبة يجب على الجماعة أن تكون أول من ينتهجها مع أعضائها مهما بلغت مرتبتهم ومنزلتهم فلا أحد فوق القانون، كما يجب تنحية الذهنية الأبوية وافساح المجال للعنصر الشبابي الذي بدأ يتفرق عن الجماعة ولا يجد فيه ضالته ولا توظيفا لقدراته، فالكبار يبقون على الكراسي سنوات وسنوات دون تغيير لا في الوجوه ولا في الأفكار ولا المنهجيات! وللأسف فقد بدأت الجماعة بإطلاق مبادرة (أردن الغد) والعمل عليها لتقديم بديل قوي بمشاريع قوية للشعب الأردني ولكنها انشغلت بالملفات الداخلية والتطورات الخارجية وتوقف العمل على هذه المبادرة في وقت يحتاجها المجتمع بشدة.

 

من الحكمة أن نتوقف عن المناكفات الآن ونتجه الى العمل وليس على الاخوان ان يقلقوا الا في حال واحد اذا تركوا العمل وقصروا في أدوراهم ومهامهم، فالجماعة عبرت منعطفات أشد خطورة وواجهت التحديات الجسام وصمدت لها محليا ودوليا وشهد التاريخ وجود مبادرات وتكتلات كثيرة كلها اختفت وخبا ضؤوها وبقيت الجماعة تشتد قوة وأثرا ليس اعتمادا على رصيد من الولاء الأعمى أو الطاعة المطلقة بل على ثبات وإيمان بالمبدأ واختيار للفكرة لا يغيره اختلاف واخطاء الشخوص، أما من «زغللت» عيونه الأضواء واجتذبه كل مناد عذب الصوت قوي الحجة فذلك لا حاجة للجماعة به، والجماعة كذلك بحاجة الى أن تذكر أنها جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين وأنها لن تحتكر الحق يوما وأن الأيام والاختبارات كفيلة بتمحيص الشخوص والأفكار، إن على الجماعة أن تعامل هذا التحدي بما يستحقه من الاهتمام وتعمل على إعادة هيكلتها من الداخل والاستثمار في كوادرها وفي المجتمع كما فعل اخوان مصر في خطة (مية بمية) حيث كانوا يتعهدون مائة من أبناء الشعب النابهين مقابل كل مائة من الاخوان وبذا تصبح الجماعة أكثر من تنظيم حصري بل فكرة وحالة وتربية عامة.

 

من الحكمة أن نتوقف عن المناكفات ونتجه الى العمل فقد شبع الشعب من التنظير وتركنا الى من يسد جوعته وعورته حتى ولو ظلمه فظالم يوفر لك الفتات خير من صالح يطعمك كلاما معسولا لا يسمن ولا يغني من جوع! من الحكمة أن نتوقف عن المناكفات ونتجه الى العمل لرفع وعي الشعب من المطالبة بالاساسيات الى المطالبة بالحقوق الانسانية كالكرامة والحرية والعدل والمساواة واحترام حقوق الانسان حتى لا نبقى عبيد الرغيف والقرش.

 

أما الكلمة الأخيرة فلا تخلو من مثالية النساء في مقاربة السياسة وهي كلمة الى استاذي رائد المبادرة أطالبه فيها بحق العلم الذي علمنا إياه وبتنفيذه وأظل أتطلع الى يوم العودة بنفسية الترقب والحرص التي أبداها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينتظر لحوق أبا ذر بهم ويردد كلما رأى خيالا مستبشرا و يقول»كن أبا ذر» و كان أبا ذر و عاد و لحق فلم يكن لأبي ذر أن يتخلف

اللهم اجعلنا كأبي ذر لحوقا ولزوما من غير تبديل ولو بعد حين.