الثورة معنى جميل, وقيمة عالية, ينتج عنها سلوك متقدم مبني على الانتماء والوفاء والتعاون وعدم النكران وعدم النسيان، وخاصة عندما تكون الثورة مُعبدة بدماء ومعاناة ثوارها, إذ يتوحدون تحت راية الفعل والفكر الثوري, ويُعانون عتمة السجن معًا, ويذرفون الدموع معًا, وتسيل دماؤهم معًا, ويتسمون بوحدة المشاعر والتطلعات، وتنصهر خلافاتهم الفكرية وتبايناتهم السياسية في الميدان, ولا يجعلونها سببًا للفرقة, ويقبلون آليات حضارية وقانونية لإدارة هذه التباينات بعد أن ترسو سفينة ثورتهم.
الثوار في فلسطين الذين مازالوا يقودون ثورة مفتوحة ضد أحقر وأرذل احتلال عرفته المنطقة الحديثة (الاحتلال الصهيوني) مرت عليهم حديثًا مواقف عديدة ومتباينة, فبعض زملاء الثورة داخليًّا طعنوها في ظهرها, وتنكبوا طريقها, وفجروا في الخصومة, وعملوا على تشويهها (...) وبعض ثوار مصر ممن شاركوا بقوة في ثورة يناير, وممن زاروا فلسطين, وتغنوا بثورتها, ومجدوا ثوارها ومقاومتها, ولأسباب مختلفة ومتداخلة؛ انقلبوا على فلسطين واستخدموها ورقة لتصفية حسابات فكرية قديمة, وللثأر من تباينات سياسية قديمة وجديدة, وفي صراعات مصرية داخلية, فغابت عنهم كل معاني الثورة, وانسلخوا عن كل قيم وأخلاق الثوار، وفي المقابل تابعنا كلمة الرئيس التونسي مُنصف المرزوقي الذي تولى المسئولية بعد الثورة, فلم يخجل من أخلاق الثورة , ولم تغيرها متطلبات المنصب الجديد, فهو الذي طالب أمام دول العالم برفع الحصار عن قطاع غزة محضن الثورة ومفجرة بركان الغضب في وجه الظلم والعدوان, وطالب بفتح المعابر .
إن الثائر الحر والحقيقي يختلف مع غيره, ويتباين مع شركائه, وينتقد ويعارض ويعمل على إيجاد البديل, لكن ضمن قواعد اللعبة المحترمة الأخلاقية, وضمن قواعد التغير المُتعارفة, فالثورة تحمل معاني متكاملة غير قابلة للقسمة أو التجزئة، فمن قلم ثائر لقضية ثائرة وبكل التقدير والاحترام نُوجه التحية لموقف الرئيس التونسي, الذي لا يتوافق فكريًّا مع التيار الإسلامي الذي يقود المقاومة الفلسطينية, ولكنه ينسجم مع قيم إنسانية الثورة, ويحترم نفسه وأخلاقه.