أصدقاء الجراحة

نشر 29 سبتمبر 2013 | 08:36

زملاء الطب كُثُر؛ جراحون واختصاصيون من ميادين شتى، منهم من أذكرهم فأقول ليتني لم أجتمع بهم، ومنهم من أذكرهم بالدعاء كل يوم، من الصنف الثاني الدكتور مصطفى الصناديقي المصري الذي استفاد مني، في فن جراحة الأوعية الدموية، فأدعو له الله بالغيب بالصحة الوافرة، والرفاهية دون بطر، والنشاط دون مرض. أما الصنف الأول فأعف عن ذكرهم.

 

جاء في الحديث (مستريح ومستراح منه)، تعجب الصحابة من صياغة هذا اللون من الاستراحة! فلما سألوه من يرتاح؟ ومن يرتاح الناس منه؟ أجابهم بجملة حفظتها جيداً لأنني ذُقت معناها. قال نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- «العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله عز وجل. والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب». والجراح الفاشل المرضى.

 

أذكر أيضاً من القرآن الكريم تلك الآية التي تقول: [كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)] (الدخان).

جاءت هذه الآية في موضعين؛ في الثاني تقول الآية [كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59)] (الشعراء).

 

من خلال رحلتي الطبية التي امتدت أكثر من ربع قرن تعرَّفت أطباء قمة في الفن والخلق، مثل الدكتور (عماد سويد) الذي كان له الفضل في إدخال تقنية إليزاروف لمعالجة إصابات العظام إلى المملكة. وكان الرجل -أي: إليزاروف- بنفسه يحضر إلى مكتبي أحياناً حيث مكان اجتماع الأطباء. سمعت عنه أنه مات في اليابان. ويومها كتبت مع الدكتور عماد سويد مقالة عن هذه التقنية البديعة نشرناها سوياً في مجلة العربي الكويتية في مقالة.

 

ومن ذكرياتي التي حركها الدكتور الفاضل (محمد بوحليقة) الذي كبُر وأصبح استشارياً، وكان يساعدني في العمليات تلك الأيام، التي قضيتها في المنطقة الشرقية، تعرَّفت فيها زملاء أوفياء من أمثال الدكتور أحمد كنعان.

 

كانت رحلتي الجراحية مراحل؛ منها في مشفى المواساة بدمشق في نظام الدراسات العليا، والأحرى أن يُسمى (السفلى). ثم تابعت الرحلة في ألمانيا فكانت مثل شق الطريق في الصخر الرواسي.

 

وعموماً فحياة الجراحين نصفها مناوبات، وربعها عمليات، وما تبقى توترات إن لم تكن مع الزملاء فمع الحالات الصعبة، بين مريض يختلج، وآخر يختنق، وثالث يموت، ورابع يعلعل، وثالث يزعق، ورابع يشهق، وخامس ينزف، وسادس دخل العملية فخرج باختلاط.

 

ليالٍ حالكات ومناوبات مهلكات ولحظات مدمرات.

كان الله في عون الجراحين، فأنا أخيراً قد ودعتهم دون شكوى وقضية وتحقيق ومطالب بدية.

 

لك الحب والتقدير دكتور بوحليقة، وتمنياتي لك أن تكون ذخراً للبلد ورحمة للمرضى محباً للثقافة وجراحاً بارعاً مُجداً كما عرفتك نوراً في ظلام تلك الأيام الحالكات.