أحياناً يحظى الإنسان بتقدير البعيدين عنه دون القريبين سواءً كانت قرابة عائلة أو جيرة أو زمالة مدرسة أو طفولة أو مؤسسة عمل وذلك لأن القريب ينظر إليه بأنه منافس وند أو أن مراقبته لنمو موهبته وتذكره لمراحله الأولى حين كان في طفولته أو في خطواته الأولى نحو تحقيق ذاته يظل عالقاً في مخيلته فيظل بالنسبة إليه طفلا ً وحين يذكر أمامه يرد وقد ملأ الحسد قلبه: من هذا؟؟؟ هذا بالأمس كان كذا وكذا.. أو يقابله فيقول له: والله وكبرت يافلان وصرت.. مع أنه في ذات الوقت يحتفي بموهوبين آخرين في درجته أو أقل منه ليس لشيء إلا لأنهم أجانب بعيدون عن دائرته الضيقة فهو لم يعرفهم إلا بعد اكتمال نموهم فلم يراقب خطواتهم الأولى وكأن هؤلاء الغرباء قد ولدوا هكذا موهوبين ولم يمروا بمراحل التطور الطبيعية من ضعف إلى قوة أو أنهم نزلوا من السماء في قرطاس منزوعين من طبائعهم البشرية ونقائصهم الفطرية..
لذلك فإن فرص الإبداع خارج دائرة العلاقات الاجتماعية الضيقة تكون أكبر من الإبداع داخله وينال فيها المبدع تقديراً واحتراماً أكبر لأن المحيطين به قد تحرروا في نظرتهم إليه من عوامل الحسد والغيرة والندية والمنافسة..
يشير القرآن إلى فكرة قريبة وهي مأخذ الأقوام على أنبيائهم بأنهم بشر مثلهم وأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وقولهم " أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا" وفولهم: " لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" واقتراحهم أن يكون الرسول ملكاً من السماء وأن ينزل الكتاب في قرطاس من السماء..
لقد كان تكذيب الأقوام لأنبيائهم يخفي وراءه حسداً وكبراً تجاه هؤلاء الأنبياء لأنهم كانوا بشراً مثلهم يعيشون معهم في المجتمع ويأكلون الطعام ويمشون في الأسواق فلماذا يتميزون علينا بالرسالة !!
لقد كانت الأقوام تطلب تغييراً أنيقاً متمثلا ً في رجل عظيم أو ملك من السماء بينما سنة الله هي أن ينمو حملة لواء التغيير في ظروف بشرية طبيعية تماماً...