يظن فريق من الناس أن جزاء الإيمان مؤجل إلى الآخرة، وأن حياة المؤمن في هذه الدنيا محكومة بالمتاعب والابتلاءات الدائمة وحرمان النفس من الملذات، وقد أدى هذا التصور الخاطئ إلى فتنة كثير من الناس وتفضيلهم الانغماس في الملذات والشهوات العاجلة عن جزاء مؤجل لا يرونه قريباً..
إن هذا التصور يتناقض مع ما يقرره القرآن من أن الحياة الطيبة في هذه الدنيا هي من نصيب المؤمنين: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" بينما من يعرض عن ذكر الله فإن له معيشةَ ضنكاً في الدنيا قبل الآخرة، إن جنة المؤمن تبدأ منذ اللحظة التي يلامس فيها الإيمان شغاف قلبه، وما جنة الآخرة إلا امتداد للجنة التي صنعها في قلبه في هذه الدنيا..
هدية الإيمان تكمن فيه ذاته فلو لم يكن للإيمان جزاءً أخروياً لكان جديراً أن يتبعه الناس في هذه الدنيا لما يمنحهم إياه من شعور بالسعادة والطمأنينة.
يذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن الذي يجد حلاوة الإيمان يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار، ودلالة هذا الحديث واضحة في أن لذة الإيمان في الدنيا تبلغ بالإنسان حد أنه يرى العذاب النفسي للكفر في ذات درجة عذاب النار، فالإنسان لا يؤمن ابتغاء جنة الآخرة وحسب بل يؤمن لأنه لا يستطيع أن يعيش في هذه الحياة إلا بالإيمان..
المؤمن هو القادر على استكشاف الوجه الإيجابي للحياة لأنه يرى نعم الله سابغةً عليه ظاهرةً وباطنةً حتى في المحنة يستطيع أن يرى وجه المنحة فهو بذلك يحتفظ بنظرة تفاؤلية تجاه الحياة..
إن ما يراها الناس أشياءً عاديةً روتينيةً مملةً بفعل إلفهم وطول معايشتهم لها يراها المؤمن نعمةً متجددةً فيمتلئ قلبه رضاً وشكراً تجاهها فيتعزز التفاؤل في نفسه ويقبل على هذه الحياة بإيجابية ونشاط..
لا يوجد أشياء عادية من منظور الإيمان، أبسط الأشياء وأكثرها إلفاً مثل لقمة الطعام وشربة الماء والنوم في أمان، والعافية في الأهل والبدن والمال، كل يوم تستيقظ فيه فتجد نفسك لا تزال حياً محاطاً بهذه النعم يمثل هبةً إلهيةً إضافيةً تستحق تجديد الشكر والامتنان، هي نعم متجددة وليست لمرة واحدة فقط، ، وبذلك يظل المؤمن في حالة متجددة من الشعور بالسعادة،
إن غير المؤمن يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام ثم ينام ملء جفونه دون أن يتفكر في أن هناك من الناس من افتقدوا هذه النعم اليسيرة فلا يشعر بقيمة هذه النعمة ويتعامل معها بأنها روتين فلا يجد فيها داعياً للشكر والامتنان فتصير الحياة بكل مباهجها وجمالها مصدراً للضجر والملل في نفسه، أما المؤمن فهو قادر على ملاحظة أبسط الأشياء والتفكر في أهميتها فيتضاعف استمتاعه حتى بلقمة الطعام وشربة الماء والنوم الآمن ويرى حياته دائمةً متجددةً فيتحرر من حالة الروتين والبلادة التي أصيب بها من "طال عليهم الأمد فقست قلوبهم".
مصدر سعادة الإنسان ليس وجود النعمة بل شعوره بوجودها وموقفه منها، فهناك من يمتلك قصوراً فاخرةً وبساتين عامرةً وأرصدةً ماليةً ضخمةً لكنه مع ذلك دائم الشكوى والتذمر والتأفف، أما الذي يشكر النعمة مهما كانت متواضعةً في أعين الناس ويتفكر في قيمتها فهو الذي تتضاعف سعادته، لذلك فإن القرآن يدعونا إلى تذكر نعم الله: "اذكروا نعمة الله عليكم" لما في التذكر من تعزيز للمعاني الإيجابية في نفوسنا..
لا تقتصر فائدة الإيمان على الناحية الشعورية وحدها بل إن الإيمان هو الذي يضع أقدام الإنسان على طريق الفكر والعلم والإبداع، المؤمن الحق هو الذي يتمتع بيقظة فكرية دائمة لأنه قد تحرر من إلف الأشياء فهو لا يرى الأشياء من حوله عاديةً طبيعيةً إنما يرى كل شيء بأنه محدث من الله بعد أن لم يكن لذلك فالمؤمن دائماً يطرح سؤال ماذا لو؟؟ ماذا لو لم تكن الجبال أوتاداً وماذا لو لم تكن الأرض مهاداً وماذا لو كان الليل سرمداً إلى يوم القيامة أو لو كان النهار سرمداً إلى يوم القيامة، بل ماذا لو كان هناك أكثر من إله في السماء والأرض؟ ماذا لو لم يخلقنا الله أزواجاً ذكراً وأنثى؟ ماذا لو كانت كل الشعوب تتكلم بلسان واحد ولم يكن هناك اختلاف في الألسنة واللغات؟؟..
إن القدرة على طرح سؤال "ماذا لو؟" هو الذي يحررنا من أسر المألوفية ويطلق عنان الخيال ويحرك الفكر من جموده..
لقد وصف الله الناس بدون إيمان بأنهم عن آيات الله معرضون وغافلون: "وكم من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون".. هذا الإعراض والغفلة هو البلادة العقلية والجمود الفكري، فغير المؤمن هو الذي عطل حاسة النقد الفكري وأمات روح التساؤل في نفسه، فلم يعد قادراً على استكشاف أسرار الحياة وملاحظة قوانينها.
إن إلف الأشياء يقتل روح التساءل في الإنسان ويصيبه بالبلادة: "قد مس آباءنا السراء والضراء".. أي لا يوجد في الأحداث من حولنا ما يستدعي التساؤل والتفكر فهذه هي وتيرة الحياة المملة..
الإيمان ليس سوى السعادة الروحية واليقظة الفكرية في هذه الحياة، بالطبع قصدت الإيمان الحي وليس ذلك النوع الطقوسي البارد..