بين محاكمة تاريخ عرفات ورفات كرومويل

نشر 16 سبتمبر 2013 | 04:48

كان أيضا بطلا لقومه في حقبة من تاريخهم وهوالذي قال "أتمنى أن يصبح اسم الانجليزي عظيما كما كان الرومانيI hope to render the English name as great as ever the Roman was" وقادهم نحو انتصارات عظيمة في تاريخ انجلترا ومحاولات تحويلها الى جمهورية حرة، ولكن ذلك لم يمنع الشعب والسلطات الحاكمة التي جاءت بعده من استخراج جثته بعد دفنه بسنين ومحاكمة رفاته بتهمة الخيانة وتوقيع أقصى العقوبة عليه باعدام عظامه وتعليق رأسه بقرب مبنى البرلمان!

 

في دول القانون لا أحد فوق القانون حتى الأموات! فهؤلاء ليسوا مجرد أموات أو أرقام أو نكرات مخفية لا يأبه لها! هؤلاء قادة وساسة مؤثرون، أعمالهم الصالحة والطالحة لا تسجل في سجلهم فقط بل تتعدى شخوصهم الفردية الى حياة شعوبهم وتاريخها وحاضرها ومستقبلها وإما تدمغه بالهوان أو ترفعه بالعزة.

 

قد يبدو المثال غاية في التطرف ومستنكرا ولا يراعي حرمة النفس الانسانية، الموتى خصوصا، الا أن الشدة في هذه الأمور ابتداء هي ما جعلت الرؤساء في الغرب يتعلمون الدرس ويهابون ويعدون حتى لأدنى درجات المساءلة الشفوية أما البرلمان أو الحكومة، تعلموا الدرس القاسي مرة واحدة واستقاموا على الطريق بعدها، ربما لم يخافوا الله في العاقبة ولكن منعهم الخوف من عقاب البشر من التجاوز.

 

أما في الطرف الآخر من عالمنا الذي أظلمناه بتنحية الأرث المنير للاسلام في المحاسبة والمساءلة للشخصيات والقيادات بل زدنا في تنصيب ألهة وأصنام بشرية يبدو لنا ضعفها رأي العين ومع ذلك نظل نقدسها لعقدة نقص فينا بحيث لا نشعر بالأمان ما لم نستند الى حائط يمنعنا من السقوط حتى لو كان مائلا ونبقى نركن ونتطلع اليه ليمسكنا مخافة الوقوع!

 

حتى النضال والسياسة أصبحت وراثة أبوية لا بد فيها من اصطناع القدوات وليس في ذلك مشكلة، المشكلة أن تسيطر ثقافة القبيلة والقطيع والحزب و"معاهم معاهم عليهم عليهم"، فتعمي الافراد عن المثالب وتضطرهم الى قبول الأشخاص دون أدنى تساؤل عن صلاحيتهم وأهليتهم بمنطق: وهل أنا الا من غزية إن غوت غويت وان ترشد غزية أرشد

 

ويمتلىء تاريخ العرب بتمجيد وتأليه الزعماء والأدهى توارث ذلك ما بين الأجيال بالرغم من انكشاف المستور بالنسبة لبعض هؤلاء القادة غير أن بعض العرب ما زالوا يلبسون اختيارا عصابة تعمي حواسهم وتطمس عقولهم عن رؤية الاثباتات الموضوعية لمن تضخمت ذواتهم في موقع السلطة وآثروها على بلادهم وشعوبهم، وما الظاهرة الناصرية الا تصديق لذلك ويُسلط الضوء على الفتات من الخير والانجاز وتُنسى الدواهي والمصائب من الأعمال!

 

لم يجعل الاسلام لأحد عصمة ولا مكانة مقدسة الا المعصوم، حتى هو صلى الله عليه وسلم عاتبه ربه عندما اجتهد في بعض الأمور وبعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة قبضه إليه لتبقى الفكرة هي الخالدة ويُحاسب من بعده على لزومهم وايمانهم بالفكرة، وقال سبحانه "وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين".

 

لم يعترف الاسلام بالقائد المُلهم أو السوبرمان بل كانت أفضل القيادات والعهود الاسلامية ما شهدت تلاقح الأفكار والجهود وتعاون الشخصيات الفردية المميزة من أجل الكل والحساب والتدقيق الشديد من الأتباع والرعية.

 

لقد ولى رسول الله شابا غضا على جيش فيه خيرة الصحابة وعزل عمر خالد بن الوليد في أوج قوته وانتصاراته وتفسير ذلك كما يراه الدكتور أحمد خيري العمري ليس هو عزل الشخوص وإنما عزل الفردية وأوهام الناس حول امكانات الفرد خارج سياق الجماعة واثبات ان مصلحة الدولة والشعب فوق شخصية الفرد مهما كان تاريخه وفضله.

 

وهذه أمثلة في حال أناس صالحين يشهد لهم التاريخ فكيف لو كان الأمر مع تاريخ ملوث أو مبهم في أقله تشهد له التطورات الراهنة بفساد البدايات؟!

 

تعود علينا هذه الأيام ذكرى أكبر من النكبة والنكسة مجتمعتين ذكرى توقيع اتفاقية اوسلو المشؤومة ولأن كانت المصيبتان الاوليتان بالتآمر علينا فلقد كانت الأخيرة بأيدينا وأيدي من نصبوا أنفسهم قادة للشعب الفلسطيني وبدل أن يدافعوا عنه باعوا ما تبقى من أرضه وكرامته ليكونوا حراسا ومخاتير على أرض لا يملكون أن يتنقلوا فيها دون أذن عدوهم.

 

تعود علينا ذكرى الخيانة الاختيارية وتبرز الى السطح شخوصها من أموات وأحياء وعلى رأسهم الرئيس عرفات الذين أثبت الباحثون بالأدلة والوثائق ضلوعه ومبادرته في تصفية القضية الفلسطينية والقضاء على طموحات الشعب الفلسطيني بالتحرير والعودة والأدهى من ذلك كله انبراء الغوغاء لدفاع السوقة الذي لا يعرف الا السب والشتم، فحتى الانتماء ولو للباطل أخذناه بالوراثة والحقائق المكتوبة على الورق والمنفذة من العدو على واقع الارض أمام ناظرينا لم تغيرنا ونحن لا نجيد الا الترديد بالفداء بأرواحنا ودمائنا التي نستعد أن نبذلها للدفاع عن ضلال القيادات بينما لم نبذلها لاسترجاع حقوقنا المسلوبة! أسود نحن في الردح والاتهامات وجهاد الغرف المغلقة والمعتمة وصناعة المؤامرات والتنسيقات وفي مواجهة العدو والتهويد والاستيطان نعام! وحتى الانتصار الحقيقي للزعيم بكشف من قتلوه لم يتم وخرجت رفاته وعادت دون معرفة الحقيقه او توجيه الاتهام!

 

والأسى ليس على الآباء فقد ورثونا الكثير من الخيبات واختزلوا فلسطين في أغنية ودبكة وكوفية وثوب ومسخن ومفتول وكنافة، الكارثة من الجيل الجديد الذي انفتحت الدنيا أمامه وأصبحت المعلومة تحت أصابعه وما زال يريد أن يعيش كالبغبغاء في ترديد ثقافة العهر السياسي التي لا تستحي برغم كشف الأدلة!!

 

ليس هناك أحد فوق المساءلة حتى الأموات فقد أبقى الله جسد فرعون آية وكان بامكانه أن يغرقه لينتهي ذكره وتنتهي الدروس ولكنه حفظه ليتجدد الدرس في كل جيل وتبقى التساؤلات مطروحة والعبر مستفادة.

 

لقد مضى زمان العيش في جلابيب الآباء وزمان الطبطبة والعفو عما سلف واخفاء السوءات فسيرة أصابت الأمة في مقتل يجب أن تنشر وتكشف حتى تتعلم الأجيال الوطنية منها دروس الابتعاد عن الخيانة والتفريط، فالله تعهد بالتنكيل بالطغاة في الدينا والآخرة "فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ان في ذلك لعبرة لمن يخشى"، ومن أهان نفسه ببيع قضيته لا يجب أن نكرمه بتخليد اسمه أيا كان ومن حافظ على الثوابت فذلك القائد والرئيس أيا كان حزبه أو فريقه.