فلسفة الخطأ

نشر 12 سبتمبر 2013 | 09:35

نحن مركبون على الخطأ والنسيان. وهاتان العلتان لا دواء لهما إلا بالكتابة والتوبة فيكافح النسيان بالتذكر، والخطأ بالاستغفار والتواضع؛ فليس من إنسان معصوم عن الخطأ. وأعظم خطيئة قامت بها الكنيسة وأضرت بها رفع مقام البابا وأمثاله من المقامات إلى ما فوق النقد والخطأ؛ فمنحوه العصمة والقداسة، وهذا عين الخطأ.

 

والعلة في النسيان أنها من صفات الدماغ فلا يحفظ كل شيء. وقيل إن النوم يقوم بوظيفة مهمة في النسيان، بسبب احتشاد الذاكرة بكثير، مثل الكمبيوتر الذي يقوم بوظيفة مسح (Delete)، ذلك أن كمية المعلومات التي تدخل الدماغ من الحواس الخمس هائلة، بسبب المزيج المركب منها، ولذا كان النسيان من رحمة الله فينا من جانب. ولنتصور الذكريات السيئة التي نحملها وتثقلنا كيف لو عادت وتكررت بدون رحمة. ولكن النسيان من طرف يحمل آفة العلم، ولذا كانت الكتابة هي الذاكرة الجديدة لبني آدم. والكتابة كما جاءت في القرآن عن صحف إبراهيم وموسى ليست ممتدة عبر التاريخ أكثر من خمسة آلاف سنة، ولم يصل الإنسان إلى اختراع المطبعة إلا بعد اختراع الكتابة بأربعة آلاف وخمسمائة سنة. أما الكمبيوتر والنقش على الهواء فهذا أصبح له ثلاثون عاماً. ولا نعرف على وجه الدقة ماذا ينتظرنا في الألف سنة المقبلة.

 

وفلسفة الخطأ أن الخطأ أنواع؛ منه ما يمكن تصحيحه، ومنه يمضي فلا نستطيع الإمساك به وتصحيحه. وحين يخطيء الإنسان في حق آخر قد ينفع فيه الاعتذار وليس دائماً، ولكن قتل مائة ألف في سوريا لن ينفعه اعتذار العجي ولو بكى دماً بقدر نهر دجلة. وهنا ينقشع الضباب أمام مفهوم اليوم الآخر، حيث يتحقق العدل الإلهي فلا تظلم نفس شيئاً، ولو كان مثقال حبة من خردل.

مع هذا، فالخطأ جيد لأن البشر لم يتقدموا إلا بالمحاولة والخطأ والحذف والإضافة، فإن يجرب الإنسان أمراً ويخطئ فيه فهو مقدمة الدخول إلى تصحيح الخطأ.

 

وفي الحديث أن المرء لا يحاسب على الخطأ والنسيان وما استكره عليه. ومعنى هذا الكلام أنه حيث وجدت إرادة ونية وعمل يحاسب عليها المرء. وحين نزلت الآية من آخر سورة البقرة «وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله» ارتعب البعض، حتى فهمها الصحابة بأنها ممارسة العمل (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).

 

الدرس من الخطأ أن كلنا يقع فيه، ولكن يجب تصحيحه وعدم الاستمرار فيه؛ فإن فات يقوم بالتعويض عنه؛ فإن لم يستطع إلى ذلك سبيلاً فعليه بالتوبة والاستغفار (إنه كان غفاراً).