القلب لا العقل

نشر 12 سبتمبر 2013 | 09:33

فرق كبير بين المعرفة العقلية والمعرفة القلبية... المعرفة العقلية معرفة أكاديمية باردة كأن يعرف أحدنا مثلاً بأن 1+1=2 هذه معرفة بالعقل لكن المعرفة القلبية معرفة نابضة بالحياة فيها الروح يمر الإنسان فيها بتجربة شعورية فتكون معرفته كائناً حياً...

هناك حقائق يتفاوت التفاعل والإيمان بها من شخص لآخر مع أنها ذات الحقائق.. المعرفة هنا كمية أي أنها قابلة للزيادة لذلك فإن الإيمان يزيد وينقص لكن المعرفة العقلية نوعية فمثلاً لا يستقيم أن يقول إنسان لقد زاد إيماني بأن 1+1=2 فهي معرفة عقلية في درجة واحدة لا تزيد ولا تنقص..

 

حين تسأل شخصين عن الرحلة إلى أدغال أفريقيا مثلاً ويكون أحدهما قد ذهب فعلاً هناك أما الآخر فقد سمع وصفاً نظرياً للمكان فسيجيبك الاثنان بنفس الكلمة: رائعة..

 

لكن الفرق أن رائعة الاول نابضة بالحياة فحروف الكلمة معجونة بمشاعره وأحاسيسه وذكرياته فتخرج الكلمة حيةً من أعماق روحه، أما رائعة الثاني فتخرج من لسانه وعقله باردةً روتينيةً.. لذلك فإن القرآن يستعمل مصطلح القلب بدل العقل ويستعمل مصطلح الإيمان بدل المعرفة ويستعمل مصطلح العلم لوصف حالة المعرفة التي تتفاعل معها النفس وينتج عنها السلوك وليس المعرفة الاكاديمية الباردة فهذه ليست مقياساً للأفضلية ولا قيمة لها "إنما يخشى الله من عباده العلماء"..

 

لعل هذا ما دفع إبراهيم عليه السلام أن يطلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى مع إيمانه المسبق بذلك فربما أراد إبراهيم برؤية إحياء الموتى أمامه أن ينتقل من التصديق العقلي إلى التصديق القلبي "قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي"

 

حين أقرأ قصص غربيين أسلموا يستوقفني في هذه القصص كيف يصف أحدهم حالة تفاعله الشعوري مع إحدى الآيات القرآنية التي تسببت في هدايته مع أن ذات الآية قرأناها وسمعناها مئات المرات لكنها لم تحدث في نفوسنا ذات التفاعل ولم نر فيها ما رآه وذلك لأننا نتعامل مع القرآن بعقولنا ونقرأ تفاسير القرآن بلغة عقلية باردة فنتج عندنا إيمان عقلي بارد ولم نخض تلك التجربة الروحية الرائعة التي أنتجت عند هؤلاء إيماناً نابضاً بالحياة...

 

كان والد الفيلسوف محمد إقبال رحمه الله يقول له: اقرأ القرآن كأنما يتنزل عليك.. وهي نصيحة لنا جميعاً أن يكون لكل واحد منا تجربته الشعورية الخاصة به مع القرآن فتتجدد نفوسنا ونحن نتدبر آيات الله ونتفاعل معها بقلوبنا لا بعقولنا فتنزل الآيات في نفوسنا كما ينزل الغيث على تربة خصبة..

 

إن منظومتنا الثقافية تنتج مع الأسف معارف أكاديميةً ومحفوظات آليةً ولا تشجع الإنسان على أن يحقق إنسانيته ويروي ظمأه الروحي بأن تكون له تجربته الشعورية الخاصة به وأن يتفاعل مع حقائق هذا الوجود بقلب شاعري فيقبل على الحياة محباً مبدعاً بعد أن رأى كل ما فيها جديداً ورائعاً ومدهشاً..