في القرآن الكريم عرض لأربع علل عند أهل الكتاب، تشكِّل مفاصل ثقافة تركت الإنسان وقلدت البهائم، وهي تصدُق على أهل أي كتاب وثقافة وملة ودين ونحلة وحزب وطائفة؛ كتمان الحق -تحريف الكلم عن مواضعه-، لبس الحق بالباطل -وأن يشتروا به ثمناً قليلاً فبئسما يشترون-.
والسؤال الذي يأتي في معرض هذه الفلسفة عمَّن استخدم السلاح الكيماوي في سوريا؟ ولكن ما علاقة ما قلنا بما أوردنا؟ الجواب بسيط أن اختلاط الأمور وضبابية النتائج والزيغ هو من هذا المربع. النظام السوري يقول وهو ما يقوله منذ أن عرفناه، إنه منزه عن الخطأ، متعالٍ عن النقد، كامل الأوصاف، تمام الحسن، عظيم الرشد، قوي البنيان، رفيع العماد. سبق يوسف في الحسن وقورش في الحكمة وهرقل في العضلات. أما مخابراته وأجهزته الأمنية التسعة عشر فلا تأخذها سنة ولا نوم. وأمام هذا اللوغاريتم فمن يضرب هم المسلحون، ومن يسفح الدم الدول المجاورة، ومن يرش الغازات السامة هم القتلة المارقون، ومن يكذب هم كل خصومه أجمعين؛ لأن الكون يتآمر عليه والمريخ يغدر به والسحاب يغتابه والطيور تنتهك الأعراض. أما هو فلا يفعل إلا الصحيح، ولا ينطق إلا صدقاً وعدلاً، ولا يخطو إلا باتجاه الحسنات، ولا يتصرف إلا بدلائل الخيرات، مبارك من البوطي والحسون، مدعوم بالقبيسيات والنور والنوريات.
السؤال الجوهري ليس هل استخدم السلاح الكيماوي؟ السؤال المحوري هل يقدم هذا النظام الطاغوتي الفرعوني على مثل هذه الأمور أم يتورَّع؟
والجواب أن هؤلاء بنية عروشهم جماجم، وكراسيهم عظام الضحايا، ونظامهم من آهات المسحوقين.
على بوابة هذا القطر المنكوب قرأت التعاسة والفقر والذل واللصوصية ألواناً. استقبلني في درعا شاب وسخ الثياب خشن اللحية دون تهذيب يدخن وهو يملأ البنزين؟ قلت له: أليس من خطر؟ ضحك، وقال: خطر؟ الخطر يخاف منا! بعد أن ملأ لاحظت أنه ليس ثمة عداد. طلب مبلغاً مخيفاً! كيف لي أن أثبت كم عدد الليترات التي ملأ؟! نفس الشيء حصل معي مع تغيير الزيت. حيثما توجَّهت أنت في مداخل أوكار المخابرات وجحور الأفاعي ونقب اللصوص وأنفاق الأفاقين. مراقبين عن اليمين والشمائل مخابرات بعيون حمراء جهنمية، مدناً مغبرة، شوارع وسخة منقبة محفرة لا تعرف أين ستضرب سيارتك. عند سعسع فاجأنا ابن رئيس الفرع مهدداً متوعداً لأن سائقاً لم ينتبه لسرعته الجنونية بسيارة مرسيدس ربما مسروقة أو مصادرة من معتقل منكوب منهوب. دخلت البيت عندنا مجموعة من اللصوص (الشرفاء) يبيعون كلمات الرفيق القائد. لابد من دفع المال لهم لصرف بلاهم. يقولون هل يستخدم النظام الأسدي الدموي البربري السلاح الكيماوي؟ أي سلاح؟ أي سلاح على الإطلاق. سجناء تدمر لم يقتلوهم مرة واحدة بل قتلوهم أكثر من مائة ألف قتلة وقتلة.. كان طلاس المسخوط يقول لقد وفَّرنا للبلد أمناً رائعاً.. نعم هدوء المقابر ورقدة الجثث. ربما نجح نظام الأسد في إقرار حقيقة لا ريب فيها: أن جهنم موجودة يقيناً.