كلما كتبت وتحدثت في اللا عنف أشعر أنني أنفخ في قربة مثقوبة، وتحضرني في هذا قصة الجاحظ أنك لو قصصت أنف أحدهم بالمنشار دون تخدير لربما كان أسهل من توصيف وتوصيل الأفكار لمن يخالفها. وحسب ماكس بلانك أن الأفكار تنتشر بعد موت معارضيها؛ فالإنسان مبرمج ثقافيا في صندوق محكم الإغلاق بين الجينات والمكان والزمان واللغة والثقافة والدين. وهذا الحصار الثقافي البيولوجي لا يتفطن له إلا الآحاد من الخليقة بتعبير ابن خلدون. وأذكر من المؤرخ البريطاني توينبي أنه ذكر في أول كتابه (مختصر دراسة التاريخ) أن المؤرخين في العادة أميل إلى آراء الجماعات التي يعيشون في كنفها ويكدحون؛ منهم إلى تصحيح تلك الآراء. وفي هذا يحضرني قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول ويح قريش أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين الناس. وكثر من الناس أولئك الذين يؤمنون بأن إجراء العمليات الجراحية يمكن أن تتم في سوق الخضار بيد القصابين وبياعي اللحوم. ألا ساء ما يظنون. والرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما كان في مكة كان يردد دون كلل وملل لم نؤمر بقتال. ذلك أن القتل والقتال أي استخدام آلة العنف هو بيد الدولة، وليس بيد شخص وحزب وعصابة وقبيلة وجماعة. وهي قضية بدأت منذ حوالي تسعة آلاف سنة في جنوب العراق حين بدأت أول الدول في الظهور؛ فقامت الدولة باحتكار العنف من جهة، مقابل توفير الأمن للأفراد داخلها؛ فهذه هي وظيفة الدولة الأولى توفير الأمن لمن يعيشون داخل هذا الصندوق الحديدي محكم الإغلاق الذي اسمه الدولة. ومنه يجب فهم أمور تأسيسية مثل معنى المجتمع والدولة والدين والثقافة. ورسول الرحمة -صلى الله عليه وسلم- كان من الوعي وتوجيه الوحي أن يستوعب أن استخدام القوة المسلحة هو بيد دولة أذعن لها مواطنوها. فهذه هي دولة الأنبياء التي تقوم على العدل. ويجب علينا استيعاب حقيقة أخطر من هذا وهي أن الأنبياء لم يأتوا من أجل شن الحروب بل إطفائها. ولذا كان الجهاد بمعنى القتال المسلح هو دعوة لإقامة حلف عالمي من أجل رفع الظلم عن الإنسان أينما كان، ومهما دان. وحاليا لو فعلت الأمم المتحدة من خلال برلمان عالمي عنده قدرة التنفيذ وليس ما يفعله مجلس الأمن الذي يعيق ولادة العدل في العالم. أقول لو قام وبالقوة المسلحة بإيقاف آلة القتل الأسدية ضد الشعب السوري؛ فهو الجهاد؛ فالعبرة ليست في الشعارات بل الحقائق. كان ذلك في الكتاب مسطورا.
أكرر لو قطعت منخر أحدهم بالمنشار دون تخدير أسهل من استيعاب هذه الحقيقة التي أضغطها في 300 كلمة.