اليسار الزئبقي! 2

نشر 26 اغسطس 2013 | 06:04

كتب كاتب سوى كاتبنا الذي نكتب هذه الكلمات في التشرف بالرد على كلامه، وهو معروف أنّه من يسار اليسار، فهو مصنف معروف بأنّه من الجبهة الشعبية، وحدّ علمي أنّ الجبهة الشعبية هي اليسار المتطرف، وقد رأيت صور جورج حبش وقرأت اسمه على كل جدران عدن سنة 70 باعتباره ملهم الثوار الذين حكموا اليمن الجنوبي فجعلوها مستعمرة روسية، وأمّا قمع الحريات بالحديد والغاز فقد فاقوا الأولين والآخرين. وقد جاءني منهم واحد إلى الفندق في ذلك الوقت وشكا شدة التجسس منهم على بعضهم، وقد كلمت مسؤوليهم وقتها فقلت لبعض وزرائهم: أشبعتمونا حديثاً عن الاشتراكية والتقدمية وأرى بلدكم غارقاً في الجهل والفقر وأرى جلّكم يمضغ القات، فلو كنتم ثواراً حقيقيين لظهر هذا في مجتمعكم.

 

وخطب فينا خطيب الجمعة في عيد العمال في أول أيار فقال: إنّ كارل ماركس العظيم ومحمداً العظيم هم أول من أنصف العمال. وأعدنا الصلاة على كل حال.

 

وقلت في الحلقة السابقة إنّ بريطانيا انسحبت وسلّمت السلطة للجبهة الشعبية بقيادة قحطان الشعبي، وقد انقلب هؤلاء على بعضهم وصفى بعضهم بعضاً، ثم انضمّت عدن بعد معارك إلى اليمن الشمالي فلم يزد علي عبد الله صالح الأمور إلاّ سوءاً.

 

على كل حال، كاتبنا الثاني من الجبهة الشعبية يمتدح البلد الأكثر رجعية والأكثر اتهاماً بأنّه البلد الذي قام على الدين. هكذا يقال! يمتدحه بأنّه أخذ قيادة العالم العربي وقيادته أخذت زمام القيادة في البلد عن جدارة واستحقاق. ومثلما شمّ الكاتب الأول رائحة النفط أشم أيضاً في المقال رائحة النفط ممزوجاً على حد قول الأول: «برائحة لحم الأطفال..»، لكن في رابعة العدوية هذه المرة.

هل دعم العسكر في مذابحهم في مصر لمحاربة الإسلام هذه هي الجدارة والاستحقاق؟ وهب أنّ الإخوان كانوا في أخطائهم وخطاياهم يفوقون مبارك، فهل دعمت تلك الدولة الثوار على مبارك الذي هو أفسد من الشيطان وعلاقة زعامة «دولة الاستحقاق» كانت مع مبارك سمناً على عسل. عجيب هذا اليسار في تلونه وتقلبه ثم يقول كاتبنا الأول: «لا يعرف اليسار لغة المهادنة».

ولم يقل لنا الكاتب الأول هل كان من الذين حملوا العباءة لبشار؟ فما رأيهم أن يزودوه ببدلة وربطة هذه المرة جائزة على مجزرة الكيماوي. وهل هذه المجزرة التي جلّ ضحاياها أطفال الغوطة ارتكبت ضد الرجعية والاستعمار؟ أم ضد شعب أعزل في عملية إبادة جماعية ولولا تواطؤ «إسرائيل» وأمريكا مع هذا النظام اليساري التقدمي الاشتراكي لكان للدنيا كلها معه شأن آخر، ولكن إن رضيت عنك بنو إسرائيل رضيت عنك الدنيا كلها.

 

نعود إلى مقال كاتبنا الأول واشتمامه رائحة لحم الأطفال من ملحمة تل الزعتر ولم يكلّف نفسه أن يقول لنا من ارتكبها؟ إنّه نظام الأسد الكبير اليساري المغوار التقدمي الذي تمتدحونه.

 

أمّا حكاية «الممزوج بالنفط» فإنّ الأسد الكبير صديق «جمهوريات الموز» من محميات النفط وهم الرجعيون جداً وهو التقدمي جداً وخاض وهو التقدمي معركة أمريكا معهم ضد العراق التقدمي البعثي، ولكن رئيسه أشرف مئة مرة من بشار، فتعاون الخليج نفسه مع «أبو بشار» حتى دمروا العراق!

 

ثم أتحفنا الكاتب بأنّ «اليسار لم يتخلَ عن هدفه في الوحدة والحرية» هل المسألة شعارات أم ممارسات؟ عبد الناصر صنع وحدة مع سوريا وسلّمها لعبد الحكيم عامر يعبث بها كما يشاء ودون تفصيل حتى كفر الشعب السوري بالوحدة وانقلب السوريون على الوحدة. ووحدة اليمنين تمّت ضد رغبة اليسار والقذافي كان يطرح مشاريع وحدة ليكفر الناس بالوحدة. المشكلة أنّ اليسار الذي يدّعونه لا نعرف له رأساً من رجل. من أين يبدأ ومن يمثله ومن يجسده ومن..؟ أمّا الحرية فقد نحروها بممارساتهم من وريد لوريد، ووقفوا مع ذابحيها، فألعن من ذبح الحرية وإرادة الشعب: النظام اليساري السوري البعثي، أمّا العدالة الاجتماعية أو الاشتراكية فقد حول أولئك البعثيون في سوريا، مثلاً، الاقتصاد كله إلى اقتصاد طائفة، فأيّ عدالة اجتماعية؟ وهل البعث يسار أم يمين؟ ما عدنا ندري نورونا.

 

اليسار، كما يقول الكاتب: «لم يوظف المال النفطي لمصالحه السياسية» وكما قلت فهذه دعوى قائمة على عدم تحديد ما هو اليسار ولا من هم اليساريون فيقول من شاء ما شاء. أمّا الآن، وهو التجلي الأخير، لليسار واليمين، فإنّهما الآن يشكّلان حلفاً ضد الإسلام والمسلمين.

 

وقال: «اليسار لم يتخل عن المقاومة» وهل حواتمة مثلاً وهو شيوعي يسار أم يمين وهل يدافع عن عباس ومشاريعه أو لا؟ وهل «ياسر عبد ياسر» وهو يساري قبل أن يولد الكاتب هل هو مع المقاومة أم هو صديق «إسرائيل» وهو من أشرس أعداء المقاومة؟ ودائماً نقول إنّ الزئبقية والهلامية وعدم تحديد الهوية يخدم هؤلاء فينسحبون متى يشاؤون ويدعون متى يشاؤون. ثم يقول: «لا يعرف اليسار لغة المهادنة» يا سلام. أليسوا بشراً يشترون ومنهم الصادق ومنهم المنافق؟ لا ننفي أنّ منهم ثابت، وفي الثبات هناك أضعاف هؤلاء من المتدينين ثابتون قابضون على الجمر في سجون «إسرائيل» وسجون السلطة التي بدأت جبهات شعبية بترتيب عبد الناصر وكله يسار وانتهوا دعاة حل سلمي. التعميم لا يخدم الحقيقة.

ثم يقول: «واليسار يربأ بأن تكون مساجد الله مسرحاً لدس السم بالدسم، والتحريض على القتل والكراهية ورفض الآخر ورفض المتاجرة بكل سقط المتاع الذي يتشبث به من يمتلكون مفاتيح الجنة».

 

هذا كلام كبير، أكبر من كاتبه، فاليسار إن كان شيوعياً فهو لا يؤمن بإله أصلاً فما علاقته بالمساجد؟ ثم من يدسّ السم بالدسم (هكذا)؟ وأغلب من تلمزهم مقْصون من المساجد. وقيادات حماس على سبيل المثال مشاريع شهادة كلهم ولا أريد أن أستعرضهم فأين التشبث بسقط المتاع، ومن يمتلك مفاتيح الجنة؟! إنّما هم يقرؤون الآيات التي تبشر من يفعل كيت وكيت من عبادة وجهاد بالجنة، فهل فاعل هذا يدّعي امتلاك مفاتيح الجنة؟

 

ثم تكلّم عمّن «لا يعرف من اليسار إلاّ اسمه» يا سيدي عرّفونا، وهل أنتم من يمتلك التسمية أم هي مصطلحات نقلتموها وأنتم فيها مجرد مقلدين ناقلين؟ ومن هو الرجعي؟ ومن حلفاء الرجعيين الآن؟ أليس اليسار الذي ذكرت؟ ومن يؤمن الآن بالإقصاء ومن يقود حملة الكراهية؟ في بلدنا هنا أو في مصر أو في سوريا من الذي يشيطن المتدينين؟ ويطالب بإقصائهم والتضحية بهم؟ من اعتقل أو قتل بأمر مرسي؟ ولكن الإعلام الذي يدير قنواته اليساريون المتأمركون في تحالف مع الصهيونية هم من أفشلوا أول تجربة ديمقراطية حقيقية في العالم العربي.

 

ثم قال الكاتب عن حرب «يشنّها الإسلام السياسي ضد تصاعد حركة اليسار في مصر» ومعلوم أنّ انقلاب السيسي الذي تصاعد في ظله اليسار هو من ترتيب «إسرائيل». وما هو «الإسلام السياسي»؟ إنّ الذي يحكم في كل عالمك العربي هو الدولة العميقة وهي حرب على الإسلام يلتقي فيها اليمين واليسار. واليسار ليس خطراً على الجماعات الإسلامية لو كان ينافس بشرف. أمّا التآمر مع أمريكا و»إسرائيل» والرجعية العربية والعسكر فهذه معركة بلا أخلاق ولا قيم ولا شرف والخاسر فيها هو الفائز لأنه صعد على الجماجم لا على دعم الجماهير وعلى ظهور الدبابات لا على «الأصوات» وعلى صندوق الذخيرة لا صندوق الانتخاب. وتمثّلون دور الضحية؟ وعجبي!