ماذا بعد رمضان؟

نشر 18 اغسطس 2013 | 12:43

1- مدخل.

لم نفق من صدمة ما حصل ومن إجرام فاق التوقع وبه دخل السيسي ووزير داخليته سجل المجرمين المخلدين في المكان الذي يستحقونه.. ووصل به جماعة الانقلابيين إلى مرتبة فرعون ونيرون. فهنيئاً لكم مقعدكم في النار بإذن الجبار يا قتلة القائمين الصائمين الذين أتموا رمضان في الدعاء والبكاء والقيام والتلاوة. وتقبل الله هؤلاء في أعلى الشهداء السعداء وأنتم يا قتلة في الأشقياء.

 

شهر رمضان درة الزمان، وصفوة الوقت، وربيع الدهور، بل هو استثناء مقتطع من الزمان.

نزل فيه كتاب الله الخاتم الذي وصفه من أنزله سبحانه بأنه: «روح» إذ قال: «وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا..» فكأن روح الكتاب الذي هو روح دبت في أوصال الزمان الذي نزل فيه الكتاب أعني شهر رمضان، وسرت الروح إلى الإنسان، فأصبح طينة أخرى وجبلة أخرى.. فنشط في العبادة، كأنما كان مريضاً فأبلّ وشفي، وكان مقيداً فانحل عنه القيد، فانطلق.

لقد دبت هذه الروح في الأمة كلها وفي المجتمعات فتحرك كل شيء. وأما الليلة التي نزل فيها القرآن بالذات، فتضاعفت الطاقات وتباركت العزمات، فهي صفوة الصفوة وروح الروح.

 

لقد بدل رمضان من نمط حياة الناس وغير نظام معيشتهم، ولون سلوكهم، فصلحت العلاقات وتواصلت الأرحام، والتأمت القطائع..

على أن ثَم مشكلة في التصور، ملخصها أن روح رمضان لا تسري في أوصال الزمان بعد رمضان.

إن من الطبيعي أن يعتدل مؤشر السرعة بعد رمضان. لأن رمضان مختلف كما قلنا. ولكن ليس من الطبيعي أن يصيب المركبة الإنسانية عطالة بعد رمضان.

 

فشريحة من الناس تصلي في رمضان وتجاز بعد رمضان. وكأن الصلاة فرضت شهراً وعطلت دهراً.. وهذا تصور عليل ظاهر العوار فينبغي –بالتأكيد- أن يستمر المسلم في صلته بصلاته، وعبادته ربه حتى يغادر الدنيا راضياً مرضياً. أما أن ينقطع عن عبادته فكمن يقطع شريان الحياة عن نفسه.

 

الصلاة حياة. والصلاة نور. والصلاة ضياء. والصلاة خير كلها. ولو وعينا روحها ما فارقناها حتى تفرقنا الروح.

من الطبيعي أن يتراجع مقدار القيام. لأن رمضان زهرة الزمان، لكن ليس من الطبيعي أن ينقطع ورد الماء.

وشهر رمضان شهر الجود والعطاء والصدقات، فيجود الناس فيه ما لا يجودون في غيره. بل إن السنة كلها في كفة ورمضان وحده في الكفة الأخرى إن لم يرجحها.

 

ومن الطبيعي أن يتراجع مؤشر الصدقات بنسبة ما، وليس من الطبيعي –بالطبع- أن يجف النبع. لأن حاجة الفقراء لم تتوقف بعد رمضان. وما جمعوه في رمضان يكفي لشهر أو اثنين بعده، ولا يكفي السنة والزمان كله.

وفي شهر رمضان يتضاعف ورد التلاوة والإقبال على القرآن. وليس من المعقول أن ننقطع عن نورنا بعد رمضان. قد يقل الورد بمقدار الربع، أو حتى النصف، لا أن يتلاشى وتأكل حصته باقي المشاغل والصوارف. فالقرآن غذاء الروح والقلب والعقل والنفس وحبل الله الممدود الموصول بينك وبينه سبحانه. وبه تفهم ذاتك وواقعك والكون من حولك والأحداث التي تعصف بمنطقتك وبالعالم، وبه تثبّت خيمة وجودك في وجه الزعازع.

 

والمساجد التي كانت غاصة بالناس مزدانة بصفوف المصلين كأنها صفوف الملائكة الصافات صفاً.. هل يقبل أن تتبخر هذه الصفوف وتظل المساجد عامرة بأعداد لا تقاس بما كان في رمضان. أن تقل الجماعة ربعاً يعقل وأن يظل الربع فشيء لا يقبل.

وسواء قبل أو لم يقبل فهذا واقع لا يقفز عنه. وينبغي أن يعمل لتجاوزه، وندبر لتخطيه، لا لترسيخه حتى يصبح واقع الحال الذي ما له من زوال.

 

صفوة القول إن رمضان روح بالفعل، واستثناء حقاً من الزمان، وكل ظواهر الإقبال فيه معقولة متفهمة، وإنما الحديث عن ظواهر الانطفاء بعد رمضان، لا عن شعلة الهمة ووقدة العزم في رمضان. هل الهمة كالقطائف تختفي منذ أول أيام العيد؟

والدعاء والبكاء الذي كان من لوازم رمضان ينبغي ألا ينقطع بعد رمضان، ففي هذين تجديد وتوثيق عرى إيمانك.

 

إن روح رمضان يجب أن تسري في الزمان بعد رمضان، ولا تروح تلك الروح برواح رمضان. إن الروائح العطرة في رمضان يجب أن تهب على حياتنا وتعطرها بعد رمضان. وحراسة المجتمع بعد رمضان واجبة. فعين العدو ساهرة. وقد دس فينا نابتات خبيثة، بدأت تطرح طرحاً قبيحاً فاسداً مدمراً. كمن قالوا لماذا لا يصبح الإفطار في رمضان حقاً طبيعياً للإنسان؟ وإن على الحكومات أن تضمن وتكفل هذا الحق بزعمهم. يا سلام. وكأننا ضمنا كل حقوقنا ما عدا حق تدمير ذاتنا! فأي حقوقنا مكفول؟ حتى نضمن حرية أكل الفول في المطاعم على قارعة الطرق في نهارات رمضان؟

 

ومن يطاردك في عقر بيتك ويشم رائحة الطعام ويسأل أهل الدار عما يفعلون؟ أنت في بيتك شأنك مع ربك. وأما أن تتعدى بحريتك الرعناء المزعومة على غيرك فهذا شأن آخر.

إنهم يريدون أن يفرضوا على المجتمع لا دينيتهم، لا أن يعتنقوا من المذاهب ما شاؤوا. لا أحد يسألك عما تعتقد. لكن لا تفرض علمنتك أو ليبراليتك المزعومة على المجتمع وعلى الناس.

 

ولماذا لا تتذكر الحرية إلا في التحلل من الدين؟ لماذا لا يتكلم أحد عن حرية التجمعات وحرية التظاهر التي تقمع في بعض البلدان العربية بطوابير من قتلى وجرحى؟ لماذا لا يتحدث عن حريات سياسية وثقافية وإبداعية؟

 

إن من روح رمضان أن نحرس روح مجتمعنا وروح قيمنا من الهدر أو التعدي.. تحت دعاوى تافهة ممجوجة. الحرية الفردية شيء وأن يفرض واقع متحلل على المجتمع شيء آخر. بعد قليل سيطالبون بحرية الفاحشة على قارعة الطريق!

هذه الأصوات لها رعاة في الخارج، كالأصوات التي نادت بحرية العبادة، ليتم لها عبادة الشيطان في بلاد القرآن والإسلام، وإذا مسهم أحد لا بأذى ولكن بسؤال، قامت قيامة الدنيا ورفع قميص عثمان في وجه أمة الإيمان تحت دعاوى الحريات وحقوق الإنسان. أما من يقتلون في كل ميدان ويهددون ويُتوعدون فهذا كله ليس خاضعاً لحقوق الإنسان.

 

متى تدب روح رمضان في الأمة سائر الزمان فتفرض قيمها لا على العالم ولكن في أوطانها على الأقل، لا أن يفرض الآخرون قيمهم على أوطاننا!؟

وتقبل الله الطاعات، وكل رمضان، وكل عام وأنتم والأمة كلها بخير.