حيوية العلم وبساطته

نشر 14 اغسطس 2013 | 04:23

التعليم الحي هو الذي يبدأ من تساؤلات الواقع، ويرمي إلى إيجاد حلول لمشكلاته، ويكتسب فيه الإنسان خبراته من خلال مخالطة الحياة، والتأمل في ظواهرها واستحضار أمثلتها، لا أن يغلق الأبواب على نفسه وينكب على دراسات نظرية معزولة عن الواقع، فهو يتخذ من الحياة معملًا للتدريب، وبذلك تنشأ شخصية المتعلم متوافقةً واقعيةً تتشرب ما تتعلمه، وتجد تطبيقًا مباشرًا له في الحياة.

 

في طفولتنا تلقينا في المدارس تعليمًا نظريًّا مفصولًا عن الواقع؛ فنشأنا ونحن ندرس بهدف أن ننجح في الامتحان ونتجاوز إلى المرحلة الدراسية التالية دون رغبة ذاتية في العلم، ودون أن نستشعر علاقةً حيويةً لما تلقناه بحياتنا القريبة.

 

آية العلم الحي هو أنك تستشعر ملامسته لشغاف قلبك، وأنه سد ثغرةً في حياتك فيورث هذا الاستشعار طمأنينةً قلبيةً، وإحساسًا بالتكامل والتوافق النفسي.

 

التعليم النظري يعزز حالة الانفصام النفسي بين العلم والواقع، ويفرغ العلم من وظيفته الحيوية؛ فيصبح طلاسم وألغازًا، ذا وظيفة "ديكورية" لنيل مكانة اجتماعية وحسب، دون أن يكون له تماس مباشر بحياتنا، وهذا ما نراه في غياب النقاش الفكري الحيوي المستند إلى حقائق المنطق البسيطة في مجتمعاتنا، فالعلم حسب ظننا يجب أن يكون معقدًا حتى ينال صفة العلم، والعالم أو المثقف عندنا هو ذلك الذي يقول كلامًا غير مفهوم، ويكثر من التحدث بمصطلحات فلسفية تستعصي على فهم العامة، لقد قال لي أحدهم ذات مرة: "إن فلانًا بحر من العلم"، قلت له: "وكيف عرفت ذلك؟"، قال: "إنه يتحدث بلغة فلسفية صعبة، لا أفهم منها شيئًا"، إن العالم عندنا هو من يلوي لسانه بمصطلحات غامضة ولكنة أجنبية، وليس ذلك الذي يشرح الحقائق ببساطة ويملك القدرة على إقناعنا، ويحمل رسالةً إصلاحيةً تلامس قضايا المجتمع.

 

كان عالم الفيزياء الشهير آينشتاين يكره الكهانة العلمية والتلفع بالغموض، والادعاء، والتعاظم، وكان يقول: "إن الحقيقة بسيطة"، يتحدث عنه في ذلك العالم المصري مصطفى محمود.

 

إن العلم بصورته المشوهة في بلادنا لا يشجع الناس على الإقبال عليه؛ فهو يفتقد جاذبية العلم وروحه؛ لأنه منفصل عن الواقع، ما سيدفع الناس إلى تفضيل الالتفات إلى هموم حياتهم اليومية عن الانشغال بعلوم نظرية لم تلامس حلاوتها شغاف قلوبهم، والسبيل إلى نهضة علمية حقيقية لا يكون عبر (ديكور) الاهتمام بالعلم، وإقامة الاحتفاليات به، وتقديسه كصنم لا حياة فيه، إنما بتبسيط لغة العلم وردم الفجوة بينه وبين الواقع، وتوثيق الصلة بين مؤسسات التعليم ومناهجه وقضايا المجتمع؛ حتى يشعر المقبل على العلم بعلاقة حيوية مباشرة بين ما يتعلمه ومشكلاته الحياتية، ويكون دافعه للعلم هو اقتناعه بأنه سيجد الحلول للمشكلات التي تؤرقه في هذا العلم، وأنه بعد تلقي هذا العلم سيصبح أكثر كفاءةً وأكثر إنتاجيةً.

 

مثلًا: إن المزارع حتى يقتنع بالعلم لابد أن يكون لهذا العلم تماس مباشر مع حقل تخصصه، فيدخل إلى معهد زراعي ويتلقى تدريبات تتعلق بميدان عمله، وكيف يضاعف الإنتاج الزراعي ويكافح الآفات التي تلحق بعمله الخسائر، أما أن يدخل هذا المزارع إلى كلية زراعية أربع سنوات، ويستنزف جزءًا كبيرًا من طاقته الذهنية في دراسة متطلبات الجامعة، ومتطلبات الكلية، وأساسيات نظرية بعيدة عن التماس المباشر لحقله؛ فإن هذا الواقع سيزهده في العلم.

 

مثال آخر: حين يتعلم أحدهم لغةً أجنبيةً لو كان هذا الشخص يمتلك ذاكرةً خارقةً، وأمسك بمعجم ألفاظ هذه اللغة وحفظها جميعًا عن ظهر قلب؛ فإنه لن يتقن هذه اللغة، وستظل معرفته نظريةً تتمثل في حفظ كلمات معجمية دون أن يستطيع توظيفها واقعيًّا، وإتقان اللغة لا يكون إلا بممارستها، والتعرف إلى كلماتها من خلال سياق حي؛ فهذا أثبت للمعرفة، وهنا نستحضر تنزل القرآن في ثلاث وعشرين سنةً من خلال معالجة الأحداث والإجابة عن التساؤلات الواقعية أولًا بأول، بدلًا أن ينزل مجموعةً من المبادئ الأخلاقية النظرية جملةً واحدةً، كما طلبت قريش، وتعليل القرآن لذلك بتشرب هذه المعاني وتثبتها في القلب: "وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدةً كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلًا"..

 

الفرق بين الكلمة المعجمية والكلمة الواردة في سياق هو أن الكلمة حين تنتزع من سياقها باردة لا حياة فيها، لكن حين تتعرف إلى الكلمة نفسها من خلال سياق واقعي سوف تتشرب هذه الكلمة، وتستقر في ذاكرتك ويثبت بها فؤادك.