سوف أنقل للقراء مناظر من الهول الأعظم، ولكن الافتتاحية بدأت من أمريكا، بحكم الإعدام؟ وأين يجب تنفيذ الموت؟ على مئات الآلاف من الناس في دقائق؟
كان النقاش محتدماً بين (ليزلي جروفز) الرأس العسكري لمشروع (مانهاتن) الذي يريد مسح مدينة (كيوتو) الأثرية الجميلة من خارطة الوجود بمعابدها الثلاثة آلاف، وإرسال سكانها المليون بنخبتهم المثقفة إلى العالم الأخروي، وبين وزير الخارجية (بايرنز) الذي آثر رقماً متواضعاً من الضحايا فاكتفى بـ (170) ألفاً ؟ رسا الرهان في النهاية على مسح مدينتين، في ضربتين متتاليتين، دون إنذار، في وقت ازدحام الناس صباحاً، في جرعة مخيفة من المفاجأة والألم الأعظم. وقَّع أوراقهما الرئيس الأمريكي (هاري ترومان) بقلم واحد فحكم بالإعدام على ربع مليون من البشر. اشتعلت كرة النار على ارتفاع 550 متراً فوق مستشفى (كا أورو شيماس) في مركز مدينة هيروشيما اليابانية، في تمام الساعة الثامنة صباحاً و16 دقيقة من يوم السادس من أغسطس عام 1945 م، فوصلت درجة الحرارة إلى 300 ألف درجة، وتبخر المستشفى بمن فيه من الأناسي والأشياء، وكانت الاحتفالات الجنائزية في عالم أنوبيس السفلي ترسم طيوفاً مختلفة من التعاسة والشقاء الإنساني. شعرت المدرِّسة (هوريبي) بأنها تموت، واستولت عليها نوبة من الإقياءات المرة، وعندما نظرت إلى ملابسها كانت مقطعة قد غرقت في الدماء، لم تعرف تفسير ما حدث، هل هي نهاية العالم؟ ما بال هذه الجثث المحترقة؟ ما معنى أكوام الموتى؟ قصدت النهر فغطست فيه حتى الذقن هرباً من النار الحارقة، حتى إذا انتعشت، ثم هرعت إلى بقايا مدرستها فرأت منظراً لاتنساه: كانت بقية زميلاتها من المدرِّسات قد تحولن إلى قطع متناثرة من الجثث المتفحمة. كانت (ساكائي ايتو) في مجموعة من المتطوعين، تتذكر كيف شبت النار في معطفها فجأة، من دون سابق إنذار، وخلال لحظات عم الظلام، ثم بدأ مطر أسود لزج قطراني يتساقط من السماء، لم تفهم ما حدث؟! وعندما نظرت باتجاه تلة (هيجي ياما) رأت القمة بوضوح فلم يبق هناك ما يعزل عن رؤيتها، فالمدينة كنست ومعالمها طمست! واندفعت باتجاه جسر (تسورومي) وهي تتساءل ما الذي حول المدينة إلى أنقاض؟ هل هي القيامة؟ ما من تفسير؟