ليس بالضرورة أن يكون دافع البشر للقبول بالعبودية الخوف أو الحب أو نحو ذلك من الدوافع التقليدية..
أحياناً تكون هناك عبودية مجانية يمنحها العبيد لأسيادهم دون أن يكونوا مجبرين على فعل ذلك إنما يفعلون ذلك فقط لأنهم ألفوا تصغير النفس وإذلالها ولو أنهم قرروا أن يكونوا أحراراً لما كلفتهم الحرية ثمناً من جهد أو نفس أو مال..
إن الحرية في هذه الحالة لا تتطلب منهم أكثر من أن يتوقفوا عن التملق الرخيص للطغاة وأن يبتعدوا عن المواطن التي تمس كرامتهم وأن يعيشوا حياتهم الطبيعية بعيداً عن الطغاة وما يقتضيه القرب منهم من إهانة للنفس وإذلال..
يدلنا القرآن على عبادة جديدة وفريدة لا تكلفنا شيئاً لكنها تضمن لنا حرية النفس وكرامتها إنها عبادة الاجتناب: "أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"، "والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها"..
إن أضعف الإيمان إن لم تكن قادراً على قول الحق ألا تقول الباطل.. إن أعجزك الدخول في مواجهة مفتوحة مع الطاغوت فليس أقل من الابتعاد عن طريق النفاق والتملق والعبودية المجانية..
الحرية كثيراً ما لا تتطلب منا ثمناً أكثر من الاجتناب والاجتناب مقاومة سلبية يقدر عليها أي فرد، ولا يغفل عنها إلا من تشرب قلبه العبودية حتى اختارها من تلقاء نفسه طواعيةً لا يكرهه عليها أحد..
يخاطب الله نبيه في سورة العلق أن يواجه طغيان قومه بآلية بسيطة تشبه ما يعرف في عصرنا بالعصيان المدني، إنها آلية "لا تطعه".. إن قالوا لك يا محمد لا تصلي فالرد ببساطة هو أن تصلي: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى.....كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ"..
كثير من مظاهر العبودية التي نراها في مجتمعاتنا هي من قبيل العبودية المختارة- حسب تعبير الفرنسي أتين دي لابويسيه- يمارسها الناس دون أن يجبرهم عليها أحد..
ما الذي يدفع الناس للتزاحم حين يرون أحد المسئولين للسلام عليه والتبسم في وجهه ونفاقه بمجاملات رخيصة وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه طاغية يستكبر في الأرض بغير الحق ويقول للناس اتخذوني إلهاً من دون الله ولو أنهم اكتفوا بالابتعاد عنه وتجنب مجاملته لصانوا حريتهم الداخلية من التلوث ولحافظوا على كرامتهم الإنسانية..
"إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون"!!