ما من شك ولا من ريب أن الدول المختلفة تسعى جاهدة لتطوير عملها الدبلوماسي في مختلف العواصم العالمية، وهذا يكون من خلال تعزيز التعاون المشترك بين الدول وبعضها البعض، وصولا لافتتاح مكاتب وقنصليات ومكاتب تمثيلية في العواصم المختلفة، وعندما تنجح أي بلد في افتتاح نافذة دبلوماسية جديدة في أي بلد من البلدان فهي تختار في سبيل تحقيق أهدافها من وراء هذا الافتتاح الشخصيات الراقية وذات الكفاءة العالية والسمعة الطيبة، والسبب وراء ذلك يكمن في أنها تسعى لتحقيق وتلبية أعلى درجة من المصالح لأبناء بلدها المنتشرين في البلد الذي تعمل فيه السفارة، بل إن العبء سيزيد على كاهل السفارة إن كانت ممثلة لفلسطين البلد المُحتل الذي هو بحاجة لكل عمل مسئول في سبيل تعزيز التواجد الفلسطيني والدفاع عن حقوقه في أكثر من 90 بلد وعاصمة يتواجد لفلسطين فيها مكاتب وقنصليات وسفارات.28
غير أن الواقع للأسف يُخبرنا بغير ذلك، فسفاراتنا ندفع لها أموالاً كبيرة جدا من ميزانية شعبنا التي نتلقاها بـ” التسول” للأسف الشديد من الدول المختلفة، وعلى غير العادة فقد رسمت صورة قاتمة عن فلسطين بدلاً من تسويق روايتها الصادقة للعالم، وتحولت في ذلك سفاراتنا أقرب ما تكون لمكاتب تجارية ربحية خاصة، ومارس داخلها السفير ومعاونوه شتى أشكال الفساد المالي والإداري، والأخلاقي في بعض أشكاله، لتُدير بذلك ظهرها للمواطن الفلسطيني في البلد الذي تتواجد فيه وتركته فريسة للاستغلال والاستعباد وغيرها من أشكال الفساد في ذلك البلد دون أن تقدم له أي شكلا من أشكال المُساعدة المُفترضة له مقابل ما تتلقاه السفارة من أموال وامتيازات تنتزعها من ذلك المواطن وغيره، وبذلك تكون فقدت دورها المطلوب.
الأمر سيكون فضيحة سياسية بامتياز عندما يتحول الدور المنوط بالسفارة إلى شكل آخر يتمثل في التجسس على مصالح البلاد التي تتواجد فيها تلك السفارة وبث الكراهية وخلق النزاعات بين الأحزاب السياسية لذلك البلد، بل والعمل على تجييش مواطني بلد السفارة لصالح طرف في ذلك البلد على حساب طرف آخر، في تجاهل واضح لأبجديات العمل الدبلوماسي الذي يقضي بالوقوف على الحياد من أي أطراف سياسية تتنازع فيما بينها في ذلك البلد، خشية من انتصار طرف على حساب الآخر وبالتالي تعرية السفارة لوقوفها مع الطرف المهزوم.
لقد عانت كثيرا القضية الفلسطينية من وراء التدخلات التي قامت بها منظمة التحرير الفلسطينية في ساحات العديد من البلدان العربية مثل العراق على حساب الكويت، ولبنان، والأردن وتونس وغيرها، ويكفي الإشارة إلى المجازر التي راح ضحيتها آلاف الفلسطينيين بسلاح عربي كان المفترض أن يقف إلى جانبهم في مواجهتهم للاحتلال الصهيوني، لكن تدخل منظمة التحرير حرف السلاح العربي عن وجهته الحقيقية وجعل عنوانه الرئيس صدور أبناء الشعب الفلسطيني في فترات تاريخية مختلفة.
إن ما كشفته حركة “حماس” في مؤتمرها الصحفي منتصف الأسبوع الماضي من وثائق تُدين حركة “فتح” بالتورط في زعزعة الأمن المصري وتشويه صورة الفلسطيني داخل الساحة المصرية، بل والعمل على جر الجيش المصري في مواجهة مع قطاع غزة، أشار بالاتهام للسفارة الفلسطينية في القاهرة بسفيرها بركات الفرا والملحق الأمني لسفارته بشير أبو حطب، الأمر الذي يعتبر جريمة وطنية وأخلاقية كبرى.
إن هذا الأمر بحاجة إلى وقفة جادة مع الذات بعيدا عن التخوين ونفي الاتهامات من قبل حركة “فتح”، وعلى الفصائل الفلسطينية أن تعمل سريعا على تشكيل لجنة التحقيق في الوثائق والتي طالبت بها حركة “حماس”، فإن ثبت صحتها فالواجب تطهير السفارات الفلسطينية فورا ودون إبطاء أو محاباة لأي أحد، بل ومحاكمة أي سفير قد أجرم بحق القضية الفلسطينية، فقضيتنا بحاجة إلى سفارات تنقل مشاكلنا ومعاناتنا وتُعرف العالم بقضيتنا، ولسنا بحاجة إلى دعارة داخل سفاراتنا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، سواء كانت دعارة سياسية أو غيرها.