يظن البعض أن العبادة هي فقط الصلاة والصوم، وهذا خطأ في فهم العبادة والصيام والصلاة معاً.
ويظن البعض أن الذنب هو مسألة جنسية، ولا يخطر في بالهم أن الكسل من أعظم الذنوب، وأن الله يحب العاملين. ونعم أجر العاملين. وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأنه لا يضيع عمل عامل منا من ذكر وأنثى.
وهناك من يرتكب الموبقات السبع، ثم يذهب لقضاء عمرة؛ فيظن أنه مادامت خطاياه قد غسلت ورجع كيوم ولدته أمه، فإنه لامانع من العودة لارتكاب المحرمات كلها، والعودة كل سنة لهذا الحرام، الذي يأباه الله والصالحون والملائكة بعد ذلك ظهير.
وكتب مفسر يوما أنه لم يفهم ذلك الحشد الكبير من الأحكام من سورة البقرة؛ فهي أطول سورة في القرآن، عدد آياتها 286، وأطول آية فيها ليست في الصلاة بل في الدين. وفيها آية من أعظم ما نزل هي آية الكرسي. وبعدها مباشرة آية تُعد أعظم قاعدة في إطلاق الحريات في التاريخ الإنساني، وهي آية لا إكراه في الدين.
ومع وضوحها فهناك من المسلمين من يؤمن بأن الإنسان يستخرج منه بالإكراه أكثر من الإقناع. وعند هذه النقطة يتكئ النظام الديمقراطي الذي يدعي أنه يعتمد أسلوب الإقناع ولو بالخداع والمال والدعاية والتمويل؛ فهو يأكل عقل الإنسان بالفتنة والإغراء والغواية، ولكن ليس على طريقة سوق الناس بالسوط والإكراه والتعذيب؛ فهذا هو فرق مكان عن مكان.
وفي نهاية بحثه وصل المفسر إلى اكتشاف مهم أن كل ما ورد في سورة البقرة هو لون من العبادة؛ فالصلاة عبادة، وتهجد الليل عبادة، والجهاد بشروطه الفنية عبادة؛ فلا يمارس الجراحة جزارون يقطعون اللحم على الوضم، بل جراحون في قاعات معقمة وأدوات مطهرة واستعدادات هائلة.
والصيام عبادة، والنكاح عبادة، والضرب في الأرض عبادة، والسياحة عبادة، ولذلك قرب الله بينهما فقال الله في الآية (العابدون السائحون).
إن صور الطاقة عديدة تتدفق من حقيقة واحدة؛ فالعبادة حقيقة أساسية، وصورها لانهائية، مثل الكهرباء التي تنقلب إلى حركة وحرارة.
هذا المزيج الرائع هو ضفيرة العبادة وحزمة الدين ولب اليقين، والحق الذي قامت عليه السموات والأرض.