بالرغم من أننا نعيش مواسم رحمة وخير إلا أن عدم قيام الدولة والحكومة بواجباتها تجاه المواطنين من توفير الحد الأدنى من سبل العيش الكريم الذي يحفظ الكرامة، ويمكن البشر من الانطلاق بحياتهم باطمئنان، بل وشططها في المغالاة عليهم، يُنسي المرء جمال الزمان وفضل أيام الله ويجعله يتنقل في مكابدة الرزق وسد الحاجات!
لسنا بحاجة الى قراءة نتائج الاستطلاع الذي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعه الأردنية مطلع الشهر، وأكد أن أغلبية الأردنيين يرون أن الأمور في البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ، فقراءة وجوه الناس ورؤية ومعاينة تصرفاتهم في الحياة تؤكد لنا أن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح، وأن شهرا فضيلا كرمضان بواسع رحماته للمحسنين وغلظة عقوباته للمعتدين ليس كافيا بإيقاظ ضمير ينام طوال السنة في المسؤولين!!!
المديونية تفرخ عن مليارات متزايدة كل سنة بسبب الفساد وهدر المال العام، والبطالة ارتفعت بين المتعلمين بالذات، وتقرير المجلس الاقتصادي الاجتماعي يؤكد أن 80% من المواطنين تحت خط الفقر، والتضخم ارتفع، والضرائب هي الشيء الوحيد الذي يزيد في البلد، والأسعار في غلاء مستمر، والحكومة لا تؤمن الأساسيات، ومعظم التجار لن يبالوا بالتخفيف على الناس في موسم تزيد فيه الأرباح؛ لأن الرحمة حالة عامة تبدأ في الرأس وهي الحكومة ثم تنتقل الى الأطراف من المؤسسات والشعب، والشعب يأخذ رمضان إجازة من إجازة سابقة أومستمرة عن المطالبة بالإصلاح مع أن رمضان شهر الفتوحات والانتصارات المعنوية على النفس والمادية في واقع الحياة، هكذا فهمه الصحابة فسطروا أعظم التاريخ في رمضان وهكذا يفهمه أهل مصر الآن وهم يتخذون من رمضان مددا ووقودا لإذكاء جذوة الصمود والمطالبة بالشرعية، فمن يتحمل الصعب من أجل بلده وفي وقت يركن فيه عموم البشر الى الراحة سيدرك بالنهاية إربه، أما الموسمية في تحويل الكلام الى فعل وتحويل الفعل الرتيب الى فعل قوي جماعي ضاغط فذلك يؤدي الى ما نحن فيه من العودة الدائمة الى المحطة الأولى أومكانك سر!
الاستهزاء بالحكومة وأفعالها التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي لن يحرك للحكومة جفنا بل هومن أشكال تنفيس الاحتقان، فالحكومة تسير على مبدأ: قولوا ما تقولون وأنا أفعل ما أريد والجواب ما ترون لا ما تسمعون.
إن طرق الشعب الالتفافية في معالجة الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لم تجد أثرا على مدى أكثر من سنتين، بل هي طرق تعالج ظاهر الجرح ولكنه يخيط على مرض ودمامل، والحكومة فهمت عن الشعب بالتجربة والمراس، فالشعب يثور يومين ويعترض ساعتين ويسكت دهرين، ومن أجل السكوت الطويل لا بأس باحتمال قليل من الاعتراض القصير، الحكومة على فسادها ليست غبية فهي قرأت خارطة التحرك الشعبي وأساليبه ونفسيات الناس وحاكت سياساتها على هذه المقاسات وردود الأفعال!
حالة التشاؤم والفقر والفساد التي تؤكدها الدراسات والأرقام المحلية والعالمية عن الأردن مؤهلة لصعود دائم وما من يوم يمر على الشعب الحمول الا وهوأسخم من ذي قبل!!
ما الحل إذن؟
لا نريد الأردن لا مصر ولا سوريا ولا ليبيا ثانية، نريد الأردن بنسخته المتفردة التي تصلح بالسلم جذور المشاكل ولا تظل تجمل في وجه عجوز قبيحة لا ينفع معها كل أدوات المكياج، والحكومة ان لم تسجب وحدها -وهي لن تستجيب - فلا بد أن يتدخل الشعب ليعلمها أن الشعب والشعب وحده هومصدر السلطات، والمقايضة بالأمان والسلام مع السكوت والقبول بالظلم مقابل الحقوق والكرامة والتحرك للاصلاح قسمة ضيزى، فنحن نريد القوت والأمن والمعافاة والحقوق الشخصية والعامة فهذه هبة الله لعباده وليست منة الحكومات!
نريد أن نتفاءل ولكن الصورة قاتمة والحكومة تسخن للأسوأ، وقد ساعدتها الظروف المحلية والأقليمية فعلى الشعب أن يأخذ قراره أويقعد كالطاعم الكاسي وحتى اللقمة والكسوة لن يجدها بالنهاية.
نريد أن نتفاءل ونقول ونغني صباح الخير وظهره ومساءه ولكن الواقع غير ذلك وصدق الشاعر:
صباح الفقر يا بلدي صباح الدمع والمنفى
وإن الشمس لوتدري لكفت ضوءها خوفا
من الحكام أن يجدوا كفيفا يرفع الكفا
إلى الرحمن يسأله ليرسل جنده صفا
على الحكام قد وعدوا وكل وعودهم سوفا
تعالى سيدي الوالي ونحمده إذا أوفى
أذاب الخوف في دمنا وأسكن روحنا سيفا
صباح الهم يا بلدي جراح قد أصبحت عرفا
يموت الحلم نقبره ونزرع بعده خوفا