اقرأ وربك الأكرم

نشر 16 يوليو 2013 | 09:52

في القرآن تعبيرات في غاية الجمال والدقة والوصول إلى الهدف على نحو هندسي رشيق. ويشعر المرء أن كمية الكلمات أكبر من المعنى، أي أن ألفاظاً قليلة يمكن أن يولد الإنسان منها معاني عدة، وهو ضرب من البلاغة اختص به القرآن كتب الكثير حول هذه الظاهرة، مثل إعجاز القرآن للباقلاني.

 

من هذه التعبيرات (وأشربوا في قلوبهم العجل) أو تعبير (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) أو تعبير (فأخرج لهم عجلاً جسدا له خوار).

 

تعبير أشربوا ليس شربوا ولا يمكن أن يشربوا العجل ولكنه (تشرب) أي امتصاص مزمن وتشكل بطيء يضرب في جذور تربة متعطنة بالمفاهيم الفاسدة.

 

والسبب في رسوخ مثل هذه الأمراض النفسية تناقض الكلام والتصرف؛ فهم من جهة يقولون سمعنا، وهم بالمقابل لا يطيعون (سمعنا وعصينا) ومرض ثقافي من هذا النوع يمكن أن يتعرض له أهل أي ملة.

 

وعندما يتكلم القرآن عن أمراض المجتمعات فلا يعني هذا أننا نملك المناعة الأزلية أن لا نصاب به، والعكس بالعكس بمعنى أن اليهود فيهم من الخصال السيئة شيء كثير، ولكنها ليست أمراضاً بيولوجية، بل أمراضا ثقافية يمكن أن يتخلصوا منها. كما أن هذه الأمراض يمكن أن نقع نحن فيها.

 

وعندما يستعرض الإنسان القرآن الكريم يرى ضرباً من الأخلاقيات السيئة بدأت تستشري بيننا مما يذكر بالمرض اليهودي القديم.

تأمل تعبير (حياة) بالنكرة فلم يقل (الحياة) وهذا يصور الحرص على أي لون من ألوان الحياة إن كانت عزيزة أو ذليلة.

أتذكر في هذا الشأن قصة للفيلسوف (محمد إقبال) الهندي أن والده كان يسأله كل يوم نفس السؤال ويتلقى نفس الجواب: ماذا تقرأ يا بني؟ كان جوابه: أقرأ القرآن يا أبت. حتى جاء يوم فسأله محمد إقبال ولكن يا أبت كل يوم تسأل نفس السؤال وأجيبك نفس الجواب فلم أفهم سبب التكرار قال والده يا بني اقرأ القرآن وكأنه ينزل عليك. يقول محمد إقبال منذ ذلك اليوم انفتحت لي مغاليق المعاني. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.