عند المنكسرة قلوبهم 1

نشر 15 يوليو 2013 | 02:27

هنا عمان..

«بدأ بكاء الطفلة بالخفوت قليلاً قليلاً، وعلا بالمقابل عويل الزوجة. كان الهواء ملتهباً داخل الحجرة الوحيدة في المنزل البائس.

الزوجة: سألتك بالله افعل شيئا! فالمحسنين كثر في رمضان!

 

كم توتّرني هذه الكلمات، تقولها مراراً وتكراراً كأني لم أفعل شيئا، كل ما في جسدي من ألم، حذائي الوحيد الذي اهترأ من السعي في الطرقات، قميصي الوحيد الذي أغرقته طفلتي بدموعها وقيئها، وأتساءل ما تريدني تلك الباكية أن أفعل! فقدتُ عملي الذي بالكاد أطعمنا أياماً، لا معونة ترجى لرب عائلة قادر على العمل ولا عمل يرجى لرب أسرة فقط يتمنى أن يعيل أسرته! هل يجوز شرعاً الانتحار في نهار رمضان سألت إمام المسجد، فلعلّ الناس تشفق على طفلتي اليتيمة حينئذ وعلى أرملتي التي ستغرقها معونات الجمعيات الخيرية بالتأكيد. نهرني إمام المسجد ودسّ في كفي المنقبضة بضع دنانير لا تكفي لأخذ الطفلة إلى الطبيب، فاشتريت بها ما تأكله الزوجة لتستقوي به على الصراخ من حالي، وكان لي ما رجوت فما أن التهمت ما يقيم أودها حتى عادت إلى البكاء والنحيب والشكوى.

 

ثارت ثائرتي على صنبور الماء المقيت الذي توقّف عن السيلان.

الزوجة: حرارتها في ارتفاع.

صنبور الماء صامت، ليس لدي ما اشتري به رضاه!

انقضضت على أنقاض المروحة التي استلبتها من لص القمامة أقلبها بين يدي، لكن ليس لدي ما يقنع الكهرباء بأن تسري في عروقها المقطعة!

 

انتشلت جسد طفلتي الضئيل من أمها المرتجفة كمداً وقهرا، لسعت ذراعي حمى البنية، أخذت أنفخ على وجهها الملائكي الأسمر الهزيل فتتطاير خصيلات شعرها الناعم عن عينيها الذابلتين إلى جنبات وجهها الشاحب، هذا كل ما أملكه لك، أنفاس أبيك.

في صيدلية الشارع المتسع قبالة الحي المتصدع، ضجّ في وجهي الصيدلاني المناوب.

 

الصيدلاني: قلت لك عليك بأخذها فورا إلى المشفى يا رجل.

وقفت هناك أمامه للمرة التي لا أعلم لها عدداً أوضح له أنّي لا أملك حتى ما يوصلنا إلى هناك، لكنه استدار ولم يلقِ بالاً، فانسحبت بها إلى الخارج أرجو نسمة هواء تعطف عليها فما لفّني وإياها إلاّ غبار أثارته العربات المتسارعة.

جيبي فارغ تماماً.

 

صلاة الجنازة في المسجد، الإمام بارك الله فيه دفع النفقات، عجزت أنا أبوها عن شراء قبر صغير يضم رفاتها الرقيقة. في المشفى في قاعة الانتظار ارتجف جسدها قليلاً ثم هدأت وغادرتها الحمى اللعينة، ذهبت إلى كشك المحاسبة، نهرني الموظف فقد ملّ يومها منّي ومن أشباهي، كما يبدو أنّ تجربة الاستنساخ لم تفلح إلاّ مع مدقعي الحاجة! وللأمانة فقد بكى الرجل حين أدرك أنّ روح الصغيرة قد رحلت للتو وأقسم أن يعطيني أجرة الطريق إلى المسجد!

 

في ذات الحجرة وحدي، هجرتني الزوجة بعد ما غادرتنا الطفلة، لا داعي إذن للمشاحنة والشجار على الإيجار.

عام انقضى، تعثرت فيه بزوجة لا تنجب أطفالاً يضطروني لمقارعة من كان وراء قتل البنية، عام انقضى استطعت أن أجد فيه عملا اشتري به قميصاً جديداً وحذاء. زوجتي المقتدرة استأجرت لنا حجرة محترمة في نزل مقابل تنظيفه وطهي طعام متواضع لنزلاء عابرين.

 

أعوام أخرى وزوجتي التي لا تنجب أطفالا أنجبت طفلة صغيرة جميلة، سخطت في البداية خوفاً من صنبور الماء وسلك الكهرباء، لكن شيئاً ما في داخلي نهرني فرفعت وجهي للسماء نادماً على حمقي.

 

البارحة بكت الطفلة طويلا تريد أن تذهب إلى السوق الكبير وتشتري منه الكثير تماماً كما ترى الأطفال يغنون ويتراقصون في التلفاز في هكذا محال! نهرتها أمها الصابرة لكنني حملتها بين ذراعي مسحت على وجهها الدامع بكفي الغليظة. ألا يكفيها من الحياة الغليظة..كفي الغليظة!

 

في السوق الكبير بالكاد تستطيع أن تجد موطئ قدم، ذهلت أكثر ممّا ذهلت بنيتي!

هؤلاء الميسورون أيعرفون اسم الحي الذي أقطن فيه! فأنا لا أعرف اسم الكوكب الذي قدموا منه يبدو أنّ لديهم في كوكبهم أشجاراً تنبت أوراق البنكنوت!

 

حارس المتجر لم يعجبه قميصي ولم يعجبه حذائي ولم يعجبه انبهار طفلتي التي لمست كل ما على الرفوف بأناملها الصغيرة حالمةً تتجاذب كل ما رأته دافعةً به إلى العربة التي كانت أعمق بكثير من جيبي الفقير. ظلّت طفلتي تحلم وتجمع الحاجيات وأنا في حبور لا ألقي بالاً لانشغال الحارس بتعقب أسمالي حتى إذا وصلنا قريباً من المحاسب الذي قرأت في عينيه ذات اللغة التي يتحدث بها كوكبي من الفقراء وهو تمرّ من أمامه بضائع شتى يراها، يلمسها ولا يكاد يتذوقها في حياته مرة أو مرتين. أوقفت العربة جانباً، واريت عورة محفظتي من عيون المارة، فقط بيني وبين صغيرتي علت الدهشة المصطنعة وجهي: رباه لقد نسيت المال في المنزل..ياااه.

 

علا الحزن وجه البنية وتثاقل جفنيها من الخيبة ومالت الشفتين الرقيقتين إلى أسفل، فنظرت إليها بكل ما أمتلك من ابتسام، أفاجئها بأنّي وجدت عدة دراهم تمكّنها من العودة بإحدى قطع الحلوة التي جمعتها بلهفة. غمر الفرح تقاسيمها التي تقاسمتها أنا وأمها شبها، بل أجزم أنّها وهي فرحة أكثر شبهاً بأمها، فلا أذكر آخر مرةٍ نظرت صدفةً لوجهي سعيدا!

غادرنا المكان سريعا في غمرة انشغالها بقطعة الحلوى والحقيقة أنّي أتعبت ذلك الحارس المسكين في طلبي حتى جلس القرفصاء وغطى وجهه بكفيه في زاويةٍ قرب البوابة الكبيرة.

 

غفت طفلتي على كتفي وما أن وصلنا للمنزل حتى استيقظت متململةً تروي لأمها أحاديث سحر ومغامرة استمعنا لها حتى أتعبها السرد، فغفت ثانيةً لولا طرقات على الباب غريبة.

 

ترددت في الإجابة فلم نعتد أن يطرق باب حجرتنا إلاّ صاحب النزل صباحاً من حين لآخر!

كانت إجابة الطارق عن سؤالي باهتة! ممّا اضطرّني لفتح الباب حذرا كي أغلقه سريعاً لما هالني من رؤية وجه  حارس المتجر إياه. أغلقت الباب بعنف ما أربك زوجتي وطفلتي والرجل يلحّ ويلحّ ويتوسّل بأن أفتح الباب وأنا غير مصدق وما أنا بفاتح له الباب.

أمضينا على ذلك الحال برهةً غير يسيرة، حتى استسلمت لما ساقه لي القدر فإن كان قد قدّر لي السجن بتهمةٍ أنا بريء منها لم ألبسها إلاّ لأني ألبس أسمالاً، فالله وكيلي وهو حسبي.

 

دخل الرجل مطأطئ الرأس مقسماً أنّه ما جاء إلاّ بخير وجلس وما كاد حتى أجهش بالبكاء فأخذت أسري عنه أنا من اجتاحني الخوف حتى ظننت السوء في ما قدّر لي. أخذت أسري عن الرجل حتى هدأ وشرع في الحديث، وبعد أن انتهى من حديثه خرج مرةً أخرى ثم عاد بأكياس من التسوق وضعها أمام صغيرتي معللاً أنّه وجد مالاً قد سقط منّي فدفع ثمن الحاجيات وأدركنا بها.

 

همّ الرجل بالمغادرة وأقسم عليّ أن أسامحه أن أخّرني يوماً في طابور الانتظار حتى رحلت طفلتي تلك عن الحياة، أقسم عليّ أن أسامحه كي يعيش في سلام مع روحه في باقي ما قدّر له أن يعيش بعد أن حاول البحث عنّي دهراً فلم يلقَ لي أثرا. لم أره ذلك الرجل بعد ذلك اليوم، سامحه الله كيف ستنطلي حيلة نسيان المال بعد اليوم على طفلتي! سامحه الله...