بواسطة تقنية الكربون 14 يمكن استنطاق عمر أي شيء حتى ستين ألف سنة «بالضبط 57000 عام» باعتماد قانون نصف عمر تحلل عنصر الكربون البالغ 3750 سنة، وبواسطة تقنية «الأرغون ـ البوتاسيوم» أمكن تحديد عمر الأرض بـ 4.6 مليار سنة، وبواسطة نظام الطيوف الضوئية أمكن تحديد عمر النجوم.
لقد عرفنا أن الوجود تعرض إلى ثلاثة انفجارات عظيمة: (كوسمولوجية) قبل 13.7 مليار سنة فظهرت المجرات، و(بيولوجية) قبل 530 مليون سنة على ظهر الأرض، عندما تدفقت سلسلة رائعة متنوعة من الكائنات في مدى خمسة ملايين من السنين، و(ثقافية) حصلت قبل 200 ألف سنة عندما ظهر الإنسان الثقافي الذي يستخدم اللغة كترميز وتجريد.
ودون اللغة بوظائفها الأربع (السماع والنطق) و(القراءة والكتابة) لم يحصل تطور يذكر في تاريخ الإنسان.
كل هذه المعلومات جاءت بعد تطوير علم الانثروبولوجيا (علم الإنسان) عندما دشن (الانثروبولوجي ANTHROPOLOGIST) الأمريكي (تيم وايت TIM WHITE) من الحبشة كشفه عن أقدم كائن إنساني ظهر على وجه الأرض بعمر يصل إلى 4.6 مليون سنة مشكلاً الصفحة الأخيرة في كتاب سماكته ألف صفحة من الخليقة وتاريخ الأرض.
ولحق بعد هذا كشف إنسان الألفية الجديد على يد فريق فرنسي كيني فضرب الرقم حتى ستة ملايين من السنين. إذا أخذنا بعين الاعتبار عمر الأرض 4.6 مليار سنة، وقام المؤرخ البريطاني (توينبي TOYNBEE) بتحديد عمر الحضارة بستة آلاف سنة لا تزيد، منطلقة من جنوب العراق الحالي.
واستطاع (ابن خلدون) بومضة عبقرية أن ينتبه إلى أن مطب (النقل) وقع فيه كثير من أئمة النقل و(التفسير) لأنهم اعتمدوا على (صحة الخبر) بآلية (نقل الخبر) غثاً كان أو سميناً؛ فلم يعرضوها على أصولها، ولم يقيسوها على أشباهها، ولم يسبروا المعلومات الواردة فيها بمعيار الحكمة، والواقع والوقوف على طبائع الكائنات، ولم يحكِّموا النظر والبصيرة في الأخبار، فتاهوا في بيداء الوهم والغلط. ليقرر في النهاية أن تدفق الزمن والتاريخ والأحداث يخضع لسنة الله في خلقه التي لا تتبدل ولا تتحول، وأن الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء.