كان مشهدا مهيبا ومؤثرا خروج النساء المصريات في مسيرة الأكفان من ميدان رابعة العدوية وهو يذكرنا بسالف سيرة الصحابيات المجاهدات اللواتي لم يرضين أن يتأخرن عن الصفوف الأولى عندما احتاجت الأمة واحتاج الوطن والدين دون تقصير في أدوارهن وواجباتهن الرئيسة في جبهات البيوت، فما كانت واحدة منهن في الميدان إلا برفقة زوج ساندته وأكملت له نصف دينه، أو ابن ربته، أو أب برت بتربيته لتكون بحسن عملها سترا له من النار، أو محرم اجتمعت وإياه على طاعة الله ونصرة دينه، بل كان التواجد في الميدان حصاد الزرع الطيب الذي زرعته النساء من التربية والرعاية والتعهد وجاء اليوم لمن هززن مهود الأطفال في صغرهن باليمين ليحركن العالم ليقف لهن إكبارا وإجلالا على حسن صنيعهن.
عظيمة هي الأشواق القلبية يوم تتسامى بالانسان فوق طاقته وقدرته فتجعله يأتي بالعجائب ويصنع التاريخ ويسكت المرجفين الذين ما زالوا يشتغلون بالصغائر وجسم المرأة وصوت المرأة في وقت تستباح فيه الحرمات محاولين حصرها وإبقاءها وراء الأبواب في وقت يحتاج فيه الوطن والدين الى تكثير عدد المخلصين وعدتهم.
لقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصته مع أم عمارة ودفاعها عنه يوم أحد ورغبتها في المشاركة في غزوة البحر يوم كانت مجرد خيال مستقبلي لأهل الجزيرة والصحراء وأسماء ذات النطاقين التي قامت بدور جبار في أشد الظروف حساسية وخطورة ودقة أن يُفهم المسلمين أن النساء شقائق الرجال في كل الميادين وسندهم وحماة ظهورهم وبيوتهم يوم يصبح الخروج فرضا على كل قادر بغض النظر عن جنسه وسنه.
لقد كان مشهدا مهيبا لأن وصول النساء الى هذه الحالة من الاستبسال يرسل رسالة لمن ينظر ويرى أن الرجال الذين سبقوهم أو ساروا معهم قد بلغوا المدى وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله فارتقى من اصطفاه الله شهيدا وبقي على إثره من لم يبدلوا تبديلا.
هو مشهد مهيب يقوي الرجال في الصفوف الأولى ويقول لهم ما دامت النساء قد خرجن فالرجعة لكم مستحيلة الا بتحقيق إحدى الحسنيين إما النصر والتمكين وإما الشهادة.
هو التاريخ عاد في قصة العابدة أم الخير رابعة العدوية التي خرجت الى الله وقد طلقت الدنيا طلاقا لا رجعة فيه وكان شعارها:
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
ان صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
ليلتحم بالحاضر مع نساء مصر اللواتي أخرجتهن مرارة الحياة من ظلم واستبداد واستعباد ليعانقن المعالي في التضحية من أجل الحق بالنفس والأهل.
هو مشهد مهيب يذكرنا أن رابعة العدوية التي انزرع اسمها على أرض مصر حيث خير أجناد الأرض أنسباء رسول الله أنهت رحلة نضالها في القدس، حيث كان مثواها الأخير ترسل لنا ولأهل مصر درسا فهمه أيضا صلاح الدين الأيوبي يوم أدرك يقينا أن لا تحرير ولا فتح للأقصى بغير مصر وجنودها في كفة الأمة ليثقلوا الميزان ويحققوا النصر بإذن ربهم.
هو مشهد مهيب يتراءى فيه طيف رابعة العدوية ليعبر بنا جسور الزمان والمكان ويقول أول التضحية هذه في مصر حصادها المبارك بإذن الله في القدس، حيث تنتظر رابعة العدوية ليقرأ ابناؤها المصريون الفاتحة على روحها حيث ترقد في الجبل المطل على المسجد الأقصى
شهيدة الحب الالهي تعود برسالة واضحة في شخوص نساء مصر المجاهدات لتؤشر أن حب الله ليس فقط مشاعر تختلج في النفس بل هي عمل دؤوب لعمارة الأرض واقامة شرع الله.
فخورون بنساء مصر يا تاج رؤوسنا عسى أن يكتب الله لنا يوم عز نسير فيه على دروبكم ودرب العدوية.