أظلنا اليوم شهر رمضان المبارك , شهر الخير والبركات والطاعات , شهر يمثل ثورة شاملة لدى كل مسلمي الأرض , ثورة على الشهوات والنزوات , وانقلاب على نمط الحياة الذي يشد نحو الأرض , ليتحول الإنسان نحو السماء في إشارة لعُلو الهمة , ورُقي الروح بالجسد نحو الطاعات العالية . شهر رمضان ثورة على الفقر والشقاق والخصام , لتسود مفاهيم العدالة والتكافل والتعاون .
في فلسطين كل رمضان يشبه الذي يسبقه من حيث الاحتلال والحصار , ومن حيث الحرمان من المسجد الأقصى , والتضييق علينا في كافة أماكن تواجدنا , ومن حيث التحدي والإصرار ... ولكن هذا العام يأتي رمضان في ظل تصاعد صهيوني ضد القدس غير مسبوق , فهي تُهود , وتُغير , وتُحرف , وتُطهر من سكانها الأصليين , ويأتي في ظل تردٍّ سحيق لأوضاع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال , وتشرد من وسط تشرد , ولجوء من قلب اللجوء للفلسطينيين في العراق وسوريا ولبنان ... لقد جاء حزيناً علينا في الأعوام السابقة , لكنه أكثر حزناً هذا العام , فنشعر أننا في أمس الحاجة لتجسيد معانيه على أرض الواقع , وننكب على الطاعات والعلاقات الاجتماعية لنخفف حزننا وهمنا , لأننا نركن إلى ركن الله الشديد .
يأتي رمضان هذا العام والأمة مجروحة في أكثر من موقع , أهمها سوريا الجريحة والمشردة , والمتآمر على شعبها وقضيتها , لتُنهك وتسلم أوراقها , فيصيغها العالم الظالم الكافر كما يريد , ونسأل الله أن يكون رمضان اليوم برداً وسلاماً على شعبنا هناك ... كذلك مصر العريقة , أم الدنيا, التي تعودت على استقبال رمضان بطقوس معينة , تجذب كل زوارها , فهي اليوم تعيش في بحر من الدماء , وحالة من الانقلاب على كل شيء , وبوادر نجاح الارتداد عن قيم ثورة 25 يناير المجيدة واردة , ومحاولات استردادها قوية, مصر اليوم ساحة لكل دول العالم يلعبون بها ويخربون ويدمرون ...
إنه رمضان ملاذنا إلى الرحمن الرحيم من أعباء وهموم الدنيا , ومن كيد البشر وخستهم .ومن مؤامرات الأعداء والخصوم ... وكلنا أمل أن يتقبل الله منا الطاعات , وأن يُزيل الغمة والكرب عن أمتنا وشعوبنا . وكل عام وأنتم والأسرى واللاجئون والجرحى والثائرون بخير وسلام وأمن وأمان واستقرار .