مو رمانة.. بس قلوب مليانة

نشر 08 يوليو 2013 | 02:21

الشكوى من الأزواج خصوصا والرجال عموما تكاد تكون فاكهة المجالس النسائية وقليلات هن الراضيات اللواتي يلجأن في الأغلب إلى الصمت مخافة العين والحسد! فهل فعلاً لدى الزوجات والنساء ما يستحق الشكوى منه أم أنّه إنكار للمعروف وكفر للعشير؟! ولماذا لا يحتمل الطرفان من بعضهما شيئا من الشكوى والتذمر مع صعوبة الظروف الحياتية؟! لماذا يجب على المرأة أن تسكت وتبلع كل شيء وتحتمل القريب والبعيد دون السماح لها ولو بتأفف عرضي لشريك العمر الذي يجب أن يكون جمل المحامل بالدرجة الأولى والصدر الحنون والسند في تبادل للأدوار مع الزوجة عند حاجتها لذلك، أو لأهل يحملون همّها حتى بعد زواجها أو لأخوات ناصحات يساهمن في حل المشاكل لا في تأجيج النيران، وصدق الشاعر إذ قال:

وإذا كان لا بد من شكوى فلذي مروءة              يواسيك أو يسليك أو يتوجع

 

ليست جريمة ولا سوءة ولا كشفا للأسرار أن تشكو الزوجة وتشكو النساء من الرجال فلقد سبق وأن شكت الصحابيات من أزواجهن في حديث أبي زرع المعروف وفصلن في بعض المثالب وشكت خولة بنت ثعلبة عسف زوجها وجعل الله شكواها درسا علنيا لكل المسلمين إلاّ أنّ ذلك المجتمع كان يتعامل بخفض الجناح ولين الجانب مع النساء كقوارير يجب العناية بها لأن خدشها سهل ويترك أثرا دائما وكسرها لا جبر له، وكان يقدّر مهام المرأة وصعوبة الأدوار التي تقوم بها والتي تحتاج إلى كثير من العاطفة والاستيعاب والمساندة، فكان الرسول صل الله عليه وسلم الصدر الحاني الأول لنسائه وبناته ونساء المؤمنين فلما أخبرته السيدة عائشة بحديث أبي زرع طمأنها وأعطاها الضمانة التي كانت تريد من رواية القصة برمتها وهو أنّه محافظ على عهدها وودّها وراع لها في السراء والضراء، بل زاد على ذلك، وهو العالم بطب القلوب ودوائها، معاملة بالمعروف، والمعروف كما عرّفه ابن عباس هو احتمال الأذى من النساء وليس الامتناع عن إيذائهن فقط، فقد قال المناوي: «كان رسول الله أحسن الناس عشرة لزوجاته حتى أنّه كان يرسل بنات الأنصار لعائشة يلعبن معها، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة، ودفعته إحداهن في صدره فزجرتها أمها فقال لها: دعيها فإنّهن يصنعن أكثر من ذلك، وقالت له عائشة مرة في كلام: وأنت الذي تزعم أنّك نبي الله فتبسّم»، وحتى عمر الفاروق الحازم بطبعه احتمل زوجته عندما علا صوتها ولم يردّ ولم يغلظ في القول أو المعاملة ولم يقل لها: لا أريد أن أسمع يكفيني هموم الخلافة لأنه علم أنّ هذه المرأة التي اشتكت الآن هي ذاتها الصبورة الحمولة الودودة في ساعات صفوها وفي ساعات الجد يوم تتبيّن معادن الرجال والنساء فتصبر الحرة وبنت الأصل على ضنك العيش مع كرم الأخلاق ولكنها لا تصبر على ضنك الأخلاق ولو جاءت مع أطباق من ذهب، لقد احتاجت الصحابية أم طلحة إلى إرادة فولاذية لتصبر على وفاة ابنها وتسامت على جرحها وتزيّنت لزوجها وراعت تعبه وقدومه من السفر ولم تزعجه بالخبر وتحمّلت الألم وحدها ونجحت أيّما نجاح في اختبار الإرادة حتى أنّ زوجها ذُهل وانزعج منها لولا ثناء الرسول على حسن تصرفها، فالمرأة تحتمل الكثير عندما تعرف أجرها وتجد من يقدّر تعبها.

 

تغيّرت النساء وتغيّر الرجال منذ تلك الأيام الذهبية، إلاّ أنّ طبيعة النساء في الغالب الأعمّ من حسن الفطرة والتربية تستجيب لمعاملة الرجال فإن أحسنوا معاملتها أخرجوا أفضل ما فيها وإن كسروا أضلاعها بالقسوة والظلم أخرجوا منها كيدا يضعف كيد الشيطان أمامه، وما عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم إلاّ مثالين على نساء تألّقن في بيوت الآباء وتم نورهن واكتمل عطاؤهن في بيوت الأزواج، فالنساء حرث، فإذا زرعت فيهن الخير حصدت مثيله وإذا زرعت غير ذلك فلا تلمن إلاّ نفسك.

فالمشكلة الأكبر إذن في أخلاق الرجال والرجولة التي تعاني نكسة واضحة عمّا كانت عليه من الصدق والرعاية والصبر والعدل وأيّ امرأة تعرف التاريخ المشرق وتقارنه بالحاضر لا بد أن تعاني خيبة أمل كبيرة فلكل عصر دولة ورجال، وعصور النهضة صنعها رجال النهضة، وعصور الانتكاس صنعها رجال فشلوا في حياتهم الخاصة ولم يحققوا نصرا في الحياة العامة أيضا.

الكل الآن يشكو رجالا ونساء ولا أحد راض وقد نرى ظاهر السعادة في البيوت إلاّ أنّها كالرمانة تكون مقفلة وداخلها يعجّ بالمشاكل وأسبابها كثيرة، أولها سوء الاختيار، فلا يتم بناء على ما أوصى بها الرسول من الخلق والدين، وسوء ذمم الناس التي أصبحت تشهد زورا أو خطأ لبعض الرجال والنساء تأثرا بالظاهر أو مخافة الملامة أو عدم زواجهم، وكذلك سوء علاقة الناس بربهم وهو الذي ينزع البركة من الحياة والحب بين الأزواج والطاعة والبر من الأولاد وينمي قليل الرزق، والشعور العام بالسخط وعدم الرضا والتطلع إلى ما في أيدي الآخرين وعدم الامتثال للتوجيه الرباني «لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى».

 

الأنوثة التي بهتت في النساء والرجولة التي اضمحلّت في الرجال والتعامل الندي والتدقيق على الحقوق والواجبات وعدم الصفح والغفران هو ما يجعل المشاكل البسيطة تتعاظم وتتفجر مرة واحدة لتسقط بناء عظيما في الأسرة التي هي عماد الحياة والحضارة.

ضيق العيش وقلة ذات اليد ليست ذريعة لسوء الحياة والمعاملة، فليس المال ما يملأ عين المرأة في الرجل فكم من رجل يسدّ عين الشمس بماله فقير في أخلاقه ولكنه حسن الخلق والكلمة الطيبة والصدر الواسع وصدق الشاعر:

لا خيل عندك تهديها ولا مال   فليسعد النطق إن لم يسعد الحال الكلمة الطيبة الصادقة وحسن المعاملة كفيلة بإخراج الحية من جحرها وترويض النمور وهي كفيلة أيضا بأن تقرّ عين بنات حواء ليصبرن على الخبزة والبصلة.

 

هي الكلمة التي سمعتها أفضل النساء من أفضل الرجال يوم سألته: كيف حبك لي؟ فأجاب: كالعقدة المشدودة.

أيها الرجال راجعوا أنفسكم وافهموا قوامتكم التي أعطاكم الله إياها تكليفا لا تشريفا واسمعوا لنسائكم بنفس الرحيم لا بنفسية الفرعون والسيد الآمر حتى تحفظوا أنفسكم وبيوتكم.

 

رمضان فرصة لكثير من المراجعات وتصفية النفوس والحسابات، فلنحرص أن ندخله وأهل القربى وأصحاب الحقوق يدعون لنا لا علينا.