1- مدخل.
قلت في حلقة سابقة إن ذكرى الإسراء والمعراج جاءت هذه السنة مثقلة بالأحزان محاطة بذكرى نكبتين 48، 67، وتمر والعالم في أسوأ حال تمزقاً واختلافاً وسلبية وركوداً، وارتماء على العدو بطرح المبادرة الثانية «الأوطأ» من «السالفة»! وقد رفضها العدو مباشرة، وما المبادرات إلا تحويل للمطالب الإسرائيلية إلى مطالبات عربية. فما كان يتمناه اليهود بالأمس يتبناه العرب اليوم!
أقول: تمر الذكرى والعدو في أشرس أحواله، وإحكام قبضته على حكام العالم وإثارة البلبلة في كل من مصر وتركيا وجر المنطقة ببركة النظام التقدمي السوري إلى حروب طائفية لا يعلم إلا الله متى تنتهي ولا كيف ولا ماذا تكون الخسائر والنتائج!؟
والتهديد اليهودي للأقصى بالتهويد أو الاقتسام على ما هي حلوله السحرية للمشكلات التي يختلقها هو.. أقول: هذا التهديد في هذه السنة بلغ الأوج، وجاء على نمط غير مسبوق، مما يجعل من المفروض والواجب الأوجب أن تتحشد الأمة وترص الصفوف لمواجهة الخطر. ولكن ما حال الأمة؟ وما استعدادها لمثل هذا الطلب؟ وما موقف قياداتها؟ وهل هي جديرة بهذه الخطوة لاستنقاذ الأقصى من براثن وأنياب الأفعى أو الوحش الصهيوني اليهودي؟
وقلت: إن لكل أمة مشروعها فما هو مشروع العالم العربي وضربت المثل بالمشروع الفارسي الذي يهدف إلى الانتقام من العالم العربي وتفكيكه والهيمنة عليه، وقد أنجزوا قسطاً كبيراً من مشروعهم. فالعراق في قبضتهم، وسوريا ملك يمينهم، ولبنان تحت سيطرتهم، واليمن تحت سطوتهم، والبحرين تحت تهديدهم، والباقي من المحميات العربية والمشيخات ومدن الملح ستذوب بمجرد ضخ الماء عليها لا فتح النار! فهل هذا الواقع المتفسخ يحمي الأقصى والمسرى؟!
2- الأقصى أول الأولويات.
أما آن يا أمة الإسراء أن ترتبي أولوياتك، فتجعلي الأقصى الأولوية الأولى؟ وقد يجادل مجادل بأولوية الهم المحلي أو الشأن الداخلي. وما أشبه الدول بالأفراد، فمن عاش لنفسه عاش صغيراً ومن عاش لهم كبيرا صار كبيراً. وحتى برغم الاهتمام بالشأن الداخلي، لن يتم إلا عبر تحديد الأولويات، والتصدي لمشروع كبير. أرأيت إلى العرب قبل الإسلام وهم الرسالة العالمية وإدخال الناس في الهدى ودين الحق وإخراجهم من الظلمات إلى النور. قبل ذلك لمَ لم يشغلهم الهم الداخلي؟ هل طرح العرب مشروعاً توحيدياً (توحيد قبائلهم)؟ هل طرحوا مشروعاً اقتصادياً تكاملياً؟ هل حرروا من الفرس ما كان مستعمراً؟ هل حرروا من الروم ما كان مغتصباً محتلاً؟ ألم يهدد الحبشة البيت وهو أقدس مقدساتهم فهل حركوا ساكناً؟ هل ظهرت دعوة لإصلاح الأخلاق المتردية؟ هل ظهرت دعوة لنشر التعليم؟ هل ظهرت مشاريع لتطوير العالم العربي (أقصد عالم القبائل قبل الإسلام؟).
كل ما سألنا عنه وأكثر تحقق بأعظم صورة عندما رتب الإسلام للعرب أولوياتهم وحملهم رسالة عظمى وهماً عالمياً! لا تظنوا الانكفاء يصلح حال القطريات «السايكسبيكوية»! لا تتصوروا أن الانحباس في قمقم «الأنوات» يصلح حتى الداخل الفاسد المحلي فكيف العربي؟
إن عمر الدولة العربية اليوم في المتوسط سبعين سنة. وهي دول خدمات ليس إلا، ووضعها جميعها حتى النفطية منها في أسوأ حال وأسوأ اختلال اقتصادي وسياسي واجتماعي، فلمَ لم يقدم الانكفاء على الداخل وهمومه أي إصلاح أو أي حلول؟! إنه وفق الناموس الإلهي ما لم تكبر بحمل رسالة كبرى، وتكبر اهتماماتك فلن تتقدم بإصلاح للداخل أو في الداخل! إن المسألة متصلة والقضية مرتبطة ومركّبة، فما لم يكن له قضية كبرى لن تلتفت إلى الداخل بإصلاح، أولا تكفي تجربة السبعين سنة العجاف؟ هل تريدون إكمال المئة وأنتم تدورون في الحلقة المفرغة؟ حمل الأقصى والمسرى يعظم شأنكم. الأقصى يكبّركم بعد صغار، ويرفعكم بعد انحدار، ويبنيكم بعد انهيار، فهلا تصديتم لقضية المسرى كالكبار، وإن لم تكونوهم فتشبهوا إن التشبه بالكبار وبالكرام فلاح صلاح!
3- أما آن يا أمة الإسراء أن تحددي العدو من الصديق؟!
قد يبدو السؤال من البدهيات، وطرحه نوعاً من السذاجة والغفلة. أو لسنا نحتاج إلى الرجوع إلى البديهيات؟ كم تجاوزنا تلك البديهيات لنكتشف أنّا تجاوزناها على خلل وزغل ودخن ودخل!؟ ألم يعلمنا القرآن أن نحدد موقعنا من الشيطان وأن نتخذه عدواً مثلما هو في الواقع عدو؟ ألم يقل مولانا: «إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً»؟ ألم نستجب لنزعات الشياطين؟ ألم نصدق وعودهم ونثق بتعهداتهم؟ ألم يظهر فينا عبدة للشيطان حتى في البلاد التي..؟ ألم يظهر فينا جواسيس لإسرائيل بل جيوش منهم؟ ألم تعمل أجهزة السلطة في خدمة أمن إسرائيل؟ ألم تقمع المظاهرات لصالح إسرائيل؟ ألم تغلق دور القرآن لصالح إسرائيل؟ ألم تحارب التدين لصالح إسرائيل؟
هل نواصل طرح الأسئلة؟ أليست باقي معظم الأنظمة حالها كحالها؟ ألم نقل عن دولة العدوان والقهر والاغتصاب والبغي والنهب والسلب والقتل والتشريد، ألم نقل عنها إنها دولة صديقة وإن حرب 73 آخر الحروب معها؟ ألم نقل عنهم إنهم أبناء عمومتنا كما كان يحلو تسويقهم وتسويغهم في المنطقة؟
هل إسرائيل دولة عدوة أم دولة حليفة أم دولة معاهدة أم دولة محايدة؟ إن تحديد توصيف هذه الدولة السرطان يحدد كل نشاطات «الدولة العربية» في سياساتها الاقتصادية والإعلامية والسياسية! وإن الضبابية التي تلف وصف دولة البغي تمكنها من مزيد من عربدتها ونهبها لثرواتنا وتحكمها في سيناء على سبيل المثال، واحتلاها لمياهنا في سوريا والأردن ولبنان وعينها على النيل، فما الموقف منها؟
آن لأمة الإسراء أن تحدد الموقف من دولة البغي ما هي ومن هي وما وصفها وما موقفنا منها سلماً أم حرباً؟ إننا في متاهة الأعراب وطريق الضباب ووادي الذئاب لا نعرف العدو من الأصحاب، فهل في غياب الألباب يحمى الأقصى ويدافع عن المسرى الذي جاء في قلب الكتاب؟ أعني سورة الإسراء المبشرة بعودة الروح بعد غياب.. والحديث موصول أيها الأحباب!