كنّا نعرف اسمه ومكانته وما زلنا على مقاعد الدراسة، ذلك الأسد الهصور، والثائر الدائم الذي لا يخاف في الله لومة لائم.
كنّا نتابع سيرته، الدكتور أبو فارس قال، الدكتور أبو فارس اعتُقل، الدكتور أبو فارس أُخرج من الجامعة، الدكتور أبو فارس نجح في الانتخابات، وكان الدكتور أبو فارس حاضرا دائما في وسط كل ميدان وهيعة لم يفتقده الله حيث يريده ولم يفتقده عباده حيث يحتاجونه ولم يفتقده الإسلام حيث يحتاج نصرته والله حسيبه ولا نزكّيه على الله.
كنت أجلّه لأسباب أخرى منها كنيته، الاسم والمضمون: أبو ساجدة!
وأيّ رجل عربي شرقي في زمننا هذا يرضى بأن يكنّى باسم امرأة ولديه أولاد ذكور حتى لو جاؤوه على كبر، فالرجال يكنون أنفسهم بأسماء الذكور دون أن ينجبوهم مخافة أن يُنادى الرجل باسم امرأة في جمع الرجال فيرونها نقيصة وينسون أنّ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لُقّب بأبي الزهراء نسبة إلى السيدة فاطمة وكذلك سيدنا عمر كان يكنّى بأبي حفص وقد رفعت مصاهرته لرسول الله بزواج ابنته حفصة منه قدر عمر في الدنيا والآخرة، ولكني عندما رأيت وتعاملت مع تلك الساجدة التي تكنّى أبو فارس الفارس باسمها عرفت أنّها خليقة باختيار والدها وأنّها بمئة رجل وحرية بأمله أن تكون له سترا من النار في الآخرة بحسن تربيته لها كما هي في الدنيا نعم الامتداد لاسمه وسيرته، ولكن في رقة الأنثى قلبا وسيرة وفتوى.
أجلُّ الدكتور أبو فارس وأهابه لأنه بالرغم من كبر سنّه وبياض شعره ووهن جسمه لا يعرف الراحة ولا يسكت عن العوج ولا يؤخّر النقد ويقول للمخطئ أنت مخطئ في وجهه حتى لو أغضبه، فكل البشر عنده هينون في ميزان الله، المهم أن لا يغضب الجليل سبحانه.
كانت بعض مواقفه متطرفة في الحق فهو يأخذ نفسه بالعزائم التي لا يطيقها كل الناس وكنت أحيانا أجد الخير في غير ما اختاره وقال به ولكني كنت مطمئنة بوجوده وأمثاله من العلماء الربانيين الذين يحفظون البلاد والعباد فحتى لو تساهل الجميع وشطّوا سيبقى أمثال الدكتور أبو فارس ليعيدوا الأمور إلى نصابها ويعودوا بالناس إلى جادّة الصواب دون إفراط ولا تفريط.
دخل أبو ساجدة المدارس كلها؛ مدرسة الدعوة والداعية وظلّ فيها قائما لم يُخرّج نفسه من صفوفها حتى الآن ولم يقيل أو يستقيل، مدرسة الأسر وعاش حياة الأسرى وابتلاء السجون، فتنة العمل السياسي وخرج منه نظيف اليد والقلب والذمة وكل الميادين تشهد له بإذن الله بتطبيق ما كتبه ذات يوم «إنّ هذه العقيدة تقول لأصحابهـــــا
إنّ الله يريدك أســـدا فلا تكن هـرة
فإنّ دينك دين رجولة وحريـــة
فكن رجلا حـــرا
فإنّ معك إســلاما هو البحر, فدع الســـراب».
أبو ساجدة يرقد الآن على سرير الشفاء نسأل الله له العفو والعافية والمعافاة التامّة في الدين والدنيا والآخرة وأن يطيل عمره في الطاعات ويزيد له في الأجور ويجعل له لسان صدق في الآخرين.