سيكولوجية انفعالات الشعب الفلسطيني

نشر 24 يونيو 2013 | 10:10

قبل سنوات كان الفلسطيني يستثمر أي فرصة للشعور بنشوة تحقيق أي شيء , وذلك لعقدة النقص التي نعيشها بسبب شلل الحياة الناتج عن سياسة الاحتلال التي سعت لقتل الحلم ووأده قبل ولادته . لذا وجدنا أنفسنا نهلل لفوز النادي الأهلي أو الزمالك المصري في بطولة كروية وتطرفنا في ذلك , وشجعنا كرة القدم العالمية وتعصبنا لريال مدريد وبرشلونة , وفرحنا لفوز مصر بكأس الأمم الأفريقية , وأيدنا نيجيريا والكاميرونفي لعبهم المتميز في إحدى بطولات كأس العالم ,وصفقنا لإيران عندما فازت على الولايات المتحدة في إحدى بطولات كأس العالم....بقينا نتلمس حالات مشابهة لتفريغ الشحنات الانفعالية التي تعبر عن رغباتنا في تحقيق النصر والتقدم , فجاءت صواريخ صدام حسين ضد الاحتلال فكبرنا , وسجلت المقاومة عملياتها النوعية والرائعة فوزعنا الحلوى وسجدنا لله شكرا وسيرنا المسيرات, وخطفنا الجندي (شاليط ) وانتشينا رغم العقاب الكبير التي فُرض علينا ,وحققنا وفاء الأحرار فتعالت التكبيرات والتهليلات والزغاريد وانتشرت الأفراح , وضربنا القدس وتل الربيع فتعاظمت نشوتنا بإمكانية النصر ,وتحقق الربيع العربي فأيدناه ,ومن قبل تضامنّا مع حزب الله في معركته مع الاحتلال, وبعدها عارضناه لموقفه السلبي في سوريا .وأيدنا تركيا وفنزويلا لمواقفهما معنا ... هكذا نحن , وهذه سيكولوجيتنا التي فرضتها علينا بيئتنا الداخلية والإقليمية وحال الأمة .

 

هذا مدخل مهم لتفسير بعض الظواهر الاحتفالية التي صاحبت مشاركة الفلسطيني محمد عساف في مسابقة غناء عربية وفاز بها .

 

الشعب الفلسطيني قيمي بطبيعته , ومتدين بفطرته , ومتمسك بعاداته وتقاليده , لكنه متفاوت في ذلك , فمنهم سابق , ومنهم مقتصد , ومنهم ظالم لنفسه , وهذه درجات المسلمين كما وضحها لنا القرآن الكريم , الأمر الذي انعكس على الموقف من المُسابقة ونتائجها .إن عدم فهم هذه المعادلة خلق التطرف والتعصب في الاتجاهين , وأوجد معركة كلامية وفكرية في غير محلها وليس وقتها .

 

وحتى أكون واضحا أقول : إن المسابقة من حيث شكلها وأهدافها وآلياتها تتعارض مع القيم والدين والأخلاق , وأُسجل رفضي واعتراضي عليها , ولكن في نفس الوقت ليس هي الوحيدة التي تعمل على تخدير الأمة وإلهائها , وليس بعيدة عن التعصب الأعمى السياسي والرياضي والمجتمعي . لكن الجماهير الفلسطينية التي تابعته وفرحت بفوز عساف انطلقت من عدة منطلقات , فمنها ما هو تعاطف وطني مع فلسطيني , ومنها كونه غنى للوطن ومدنه بأسلوب وطني وثوري , ومنها ما هو اقتصادي ,ومنها ما هو سياسي , ومنها ما هو طرب وفن...

 

والذي أريد أن أدعو له هو النظرة الواقعية للأمر , وعدم الغلو ,وعدم تحميله أكثر مما يحتمل ,حيث إن شعبنا لن ينسى دينه وإن ضعف لدى البعض , ولن يترك الأسرى والقدس والمقاومة , ولن ينسى هموم الأمة في سوريا ولبنان ومصر والعراق ...وألفت النظر إلى أن البعض يُسيء للشعب ومقاومته وتضحياته وهو يسجل رفضه وقبوله للموضوع , فعباءة الدين والوطن تتسع للجميع .وأتمنى التوقف عن الانفعال , ووضع الأمر في سياق شخصي لا في سياق تدهور أمة , فالأمة ومقوماتها أكبر من كل السلوكيات الشخصية .