قد يستغرب البعض من العنوان، لكن هو موجود في عامنا الحالي 2013م، ففي الدولة التي تأبى إلا البقاء في ذيل القافلة تحت مسمى “النامية” أو أكثر دقة “الدول النائمة” يتحقق العنوان تماما من باب أن المسئول يعتبر وسائل الإعلام هي عدوه الأول إن خرجت عن سياق “استقبل المسئول- وبحث معالي الوزير- وافتتح سيادة الوكيل”، إلى سياق آخر من قبيل تعاني شريحة المجتمع “س” من “كذا وكذا”، أو “الكشف عن خلل في القضية ص”. في قطاع غزة- إلا من رحم الله- لا يختلفون كثيرا عن “الدول النائمة” في التعامل مع الإعلام، لكن في الدول الغربية ومنذ عقود من الزمن جعلوا الإعلام في خدمة السياسة، بل وأداتها في مراقبة الأداء وتصحيح الخطأ، بعدما استفادوا منه كما استفاد منه صحابة رسول الله “صلى الله عليه وسلم”.صحفي
خلال الشهر الجاري فقط والأيام التي سبقته تابعت عرض ثلاثة قضايا أعتبرها مهمة في الساحة الفلسطينية، أحدها يتحدث عن الاستهتار بحياة المواطن وانعدام النظافة من قبل بعض مصانع الشيبس “المنتج الذي لا يخلو منه أي بيت فلسطيني” وقد نشره أحد الزملاء عبر صحيفة الرسالة الأسبوعية معتمدا في عرضه على أدلة وبراهين، بل ومقطع فيديو عبر الموقع الإلكتروني للصحيفة يدلل من خلاله على روايته. والموضوع الثاني هو ما نشرته صحيفة فلسطين عبر صفحاتها حول مشاهد الإهمال داخل مقابرنا وإهانة القبور. أما الموضوع الثالث فما عرضه برنامج “كلمة خير” عبر إذاعة صوت الأقصى وحديثه عن الإهمال الكبير لدورات المياه داخل مساجد رئيسية في غزة.
وأمام هذا الواقع وعلى صعيدي الشخصي، كنت أتوقع أن تخرج وزارة الحكم المحلي والاقتصاد الوطني للموضوع الأول وتشكر الصحفي على طرحه وتقوم بسلسلة خطوات جريئة من طرد و”ليس إقالة فقط” أي مسئول يثبت تقصيره واستهتاره بحياة المواطنين. صحيح أن وزير الحكم المحلي الدكتور محمد الفرا خرج وهدد أي مؤسسة لا تلتزم بالمعايير بالإغلاق والملاحقة وهي خطوة في الاتجاه الصحيح لكنها لا تكفي. وكنت أتوقع على الموضوعين الثاني والثالث أن تقوم وزارة الأوقاف بتوجيه رسائل شكر وإشادة للمؤسسات والصحفيين الذين طرحوا هذه القضايا ونبهوها لهذه المثالب في عمل الإدارات التي يحتكمون عليها، فهل يا تُرى قامت بذلك؟.
والسؤال: لماذا على الوزارة أن تقوم بشكر من ينتقدها؟. لقد ذكرت سالفا أن الدول والأنظمة المتقدمة جعلت من الإعلام في خدمة السياسة، فمثلا المسئول عندنا يحيط به مجموعة من المدراء من أولئك المتسلقين- إلا من رحم الله- الذين يمدونه بالمعلومات والتقارير المغلوطة في محاولة منهم لاستمرار نيل رضى ذلك المسئول “وهذا أمر طبيعي يحدث مع كل المسئولين في العالم وليس حكرا على غزة”، وأن تأتي وسائل الإعلام بكشف حقيقة على غير قناعة ذلك المسئول، فالمفترض به تقديم الشكر الجزيل للصحفي ووسيلة الإعلام التي تقدم له هذه الخدمة المجانية، بل والعمل على تشجيعها.
لكن ما الذي حدث من رد فعل على القضايا التي تم نشرها؟ طبعا وسائل الإعلام التي نشرت، بل والصحفيين الذين نشروا الموضوعات لم تتوقف هواتفهم عن تلقي اتصالات المسئولين الذين اعتبروا نشر تلك الموضوعات “مساسا بإنجازاتهم التي كسرت الدنيا من وجهة نظرهم”، ولذلك فهم يصرون على البقاء في مواجهة مع وسائل الإعلام عندما تنشر الذي يخدمهم حقيقة. يريدون البقاء على نظرتهم القاصرة التي لا تعتمد على رؤية إستراتيجية وإنما لحظات آنية، هدفها استمرار صورة مشرقة زائفة في نظر المسئول الأعلى لذلك المسئول.
إن الهدف من وراء اعتبار المسئول نشر تلك القضايا إساءة لإدارته أو وزارته لا يمكن تفسيره إلا في إطار خشيته من وصولها لمسئوله المباشر الذي سيتعرض لصدمة شديدة عندما يتابع هذه القضايا التي سيجدها مخالفة لما يصله من المسئول الأقل منه درجة، وبالتالي سينخفض مستوى تقديمه وتأخيره منه. وهذا ما يجعلنا في مواجهة منظومة عمل أصابها العفن ونحن بحاجة ماسة لإزالته فورا والعودة إلى أجدادنا من أمثال أبو بكر الصديق والفاروق عمر بن الخطاب حيث اعتمد أساس ملكهم على “لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها- وإن رأيتم فيَّ اعوجاناً فقوموني بحد السيف”، وبالتعامل بهذا الشكل تقدموا وارتقوا بل وتحولوا من رعاة للغنم إلى سادةٍ للأمم، وليس من خلال التغاضي عن الأخطاء والمشاكل وإبراز صورة مشرقة لقضايا بسيطة.
إن المطلوب من المجتمع الفلسطيني دعم أي صحفي يقوم بكشف الحقيقة وإيصالها إليه والوقوف إلى جانبه، فإن تعرض للتهديد أو الملاحقة أو الاعتقال فإنما كان بسبب خدمته لهذا المجتمع والحفاظ عليه، لذلك فالمهمة تقع على كاهل المجتمع إن تعرض الصحفي لأي سوء. وأنا على صعيدي الشخصي أرفع القبعة لكل صحفي يكشف حقيقة غائبة عن أعين الناس مبنية على أسس مهنية وتتمتع بمسئولية اجتماعية وسأكون في الصف الأول للدفاع عنه إن التزم بالمعايير المهنية في العمل؛ ليبقى دوما الإعلام في مواجهة السياسي الفاشل الذي تحجر تفكيره ويأبى الارتقاء به.