لا يسعدني أن ألتقيك, لولا أن أكتب إليك, ولكن قدومك البغيض في مثل هذه الأيام على غير رغبة منا, أو حب, يضطرنا لأن نستقبل فيك ضيفاً ثقيلاً, ونستقبل فيك ذكريات سوداء, طالما هربنا منها, وتمنينا أن ما اصطبغت به حياتنا, وتلونت, ويأتي في مقدمتها ما شهده قطاعنا المنكوب من ذبح للحريات, وحبس لنسماتها, حتى اختنقنا, لم نكن نعرف الرأي الآخر, وإذا سمعنا به كرهناه, وتمنينا زواله, وأهله, ولم نكن نعلم أنه الصواب, نمتلئ حتى مشاشاتنا شماتة إذا ما أجبر صاحب فكر, وقلم, من الطابور الخامس, سخرية, وزراية من القالب الذي صبوا فيه (الشيخ), فهو نهم, أكول, يتقعر في كل شئ! في الحركة, والكلمة, والنظرة, فهو خفيف, أرعن, يتكلم الفصحى المهمشة, الجاهلة, نظرته الزائغة ترقص للعري, وتشخص للذة الآثمة, وتلهث وراء كل لعوب, (فالشيخ) بهلوان, ساقط, ماجن, هكذا انطبعت صورته في أذهاننا, فكل شيخ تافه, تفاهة اسماعيل يس, وسمج سماجة أمين الهنيدي, ساذج سذاجة عبد المنعم ابراهيم, فاسق فسق القس (الذي كان طاهراً ورعاً) فوقع في حب سلامة, فذاب عشقاً ومجوناً أنه (متلوف) بكل (بركاته).. حـتى سقط الشيخ في نظرنا إلى الحضيض, وصار أحدنا لا يتمنى –أبداً- أن يصبح ذات يوم (شيخاً).
نضحك بملء أشداقنا بسعادة ونشوة عندما (نفوز) بتذكرة (الجندي) لندخل بها جنة (المسرح العسكري) الذي أدركنا- بعد فوات الأوان- أنه وجد لتكريس فكر الهزيمة, وأخلاق الهزيمة, وإيجاد جندي الهزيمة, المسرح الذي يقفز - كالجراد- من خندق إلى خندق, ومن ثكنة إلى ثكنة, للترويح عن الجند حاملاً ملكات الرقص الشرقي المتهتك, الذي جرف شرفنا, ومعك, في أقبح صباح, حاملاً ملوك الفن الشعبي, الذين جعلونا نهيم في (ياي ياي ياي يا عين, عَ الأصل دور) فزرعوا في قلوبنا نبت الهزيمة, و(حشيش) الهزيمة, وحكموا فينا (مساطيل) الهزيمة, التي جاءت بك, ومعك.
كنا نضحك طرباً وانتشاء للأفلام المجانية, التي تنصب لها الشاشات العملاقة, والأماسي في حنايا مخيماتنا, هذا من وكالة الغوث, وذاك من هيئة الاستعلامات, وثالث ورابع.. نلهث وراءها من حارة لحارة, ومن ليلة لليلة, ملاه بالمجان, مجون بالمجان, تقعد على التراب, فيعقرنا التراب, ولا يخلو الأمر من وحل, أو حُمامسنون وإذا أرشدنا معلم, محاولاً فتح عيوننا, أو أنبنا, لتقصيرنا في حل (الواجب), فهو معقد, ثقيل الدم, (شيخ). فكان لابد أن تأتي لنا بالذل, والرغام والهوان والارتهان. أغرقوا عقولنا الصغيرة بالثقافة الدون؛ روايات الجيب, وملك الغابة طرزان, واللص الظريف أرسين لولين, وشرلوك هولمز, فمسخوا عقول جيلنا بفنون اللصوصية, والزيف والخداع, والحقد الأعمى, وأيقظوا فينا الزغائب الجامحة, والنزوات الفائرة فأسلمونا إلى محرقة الهزيمة, فلم نتحرف لقتال, ولم نجد فئة نتحيز لها, فوصلت إلينا - ويا أشأم من وصل- خلال ست ساعات, لا ستة أيام كما زعموا وحللت في مرابعنا في طول بلادنا وعرضها, حلولاً دونه الطاعون والفناء.
امتلأنا تحفزاً وتململاً وضجراً ممن سيحرموننا العندليب الأسمر وكوكب الشرق ويغرق وعواصمنا في ظلامية عمياء, تعود بنا إلى عصور ما قبل التاريخ, عمياً خلف جحافل الرجعيين الأغبياء(هكذا!!) حتى إذا وقع (هؤلاء) في قبضة العدالة نفرح, وننتشي, نشمت لنتف لحاهم وجز رجولتهم, وسلخ جلودهم, نشعر بلذة النصر, وحلاوة النصر, إذا علقوا بالسلاسل, وهشمت الهراوات عظامهم واختنقت بالصديد أقدامهم, ونهلل عندما يعدمون!! هللنا عندما أعدم سيد وكل سيد, فلم يبق إلا العببد, عبيد الفكر الوافد, عبيد الشهوات, عبيد القصف, وعلب الليل, فلم يبق إلا الصمت, فكنت أنت هزيمة ماحقة حالقة, أكلت الأخضر من وأعوادنا واليابس, وقبرتنا - ونحن على قيد الحياة- في مقبرة الاحتلال فبئست القابلة وتعست المرضعة والفاطمة.
فجعنا عندما أفقنا على (هنا دار الإذاعة الإسرائيلية من تل أبيب ورام الله) لم نكن نتخيل أنك حللت برام الله التي كانت أغنية صبانا, ومهوى أفئدتنا.
فجعنا عندما قرأنا (البوابة السوداء ) و (عندما غابت الشمس) و(عصر المظالم والهزائم) و(تحطمت الطائرات عند الفجر) و (الانفجار: 1967).
فجعنا عندما سمعنا الرأي الآخر, لأول مرة وقرأنا السطر الآخر لأول مرة عندما قرأنا مرافعات حمادة الناحل عن (الرجعيين) وشهادته, وعندما قرأنا كلمات فؤاد صادق وشهادته عن بطولات (الرجعيين) وبسالتهم وصدقهم.
فجعنا عندما قرأنا ما كتب كامل الشريف عن (الشيوخ) الذين افتدوا بلادنا بالمهج والأرواح, فكان جزاؤهم من (التقدميين) المشانق وتكسير الصخور النارية وحملها في صهد الشتاء ووهج الربيع, وسعير الصيف, ولهيب الخريف.
فجعنا عندما عرفنا كيف أتيت, وبديارنا أنخت رحالك, وحللت, ولكننا - والله- ما أحببناك, ولا رحبنا بك, خرجنا لندفعك عن أرضنا بصدورنا المحترقة, وقلوبنا النازفة وعيوننا التي تتوقد جمراً وعقولنا التي انتبهت من جديد.
خرجننا لنضمد جرحانا (المساكين) الذين خسروا الرهاان, لأنهم حفظوا عن ظهر قلب (أم كلثوم معكم في المعركة) فاصطحبوها بوجدانهم, ومشاعرهم, غرائزهم ونوازعهم, فتحكم كل ذلك فيهم, دون العقل والحكمة, فتقطعت أوصالهم وبقيت أم كلثوم في برجها العاجي تنعم بالملايين, وتصفيق الملايين, والوسمة التي تساوي ملايين, كان ميلادك - وما أبشعه من ميلاد! بل ما أبشع أيام حمله! ولياليه! وما أبشع الاسم! وما أبشع المسمى والمسمين!
خرجنا نقاومك, هل تذكر ذيب وفيصل, الفارسين اللذين زرعا الموت في دروبك, يساعدهم جيش من فتية استيقظوا فجأة على وجهك الشنيع؟
هل تذكر النشامى والشباب الذين نفضوا غبارك عن عزائمهم, وكسروا قيودك عن معاصمهم.
كم أذاقوا من جئت بهم من خنازير يهود من كئوس المنون؟
أتذكر أننا علمناك درساً: أن بلادنا لا يطول للظالمين فيها مقام؟ ولعلك أيقنت أنك إلى زوال, إلى زوال, رغم مقدماتك التي لا زالت تتقاطر على أمتنا, ورغم كئوسك المترعة بالسكر, والتغييب, ورغم عشماوي الذي قتل سيداً, ورغم الدجوي الذي ما زال يحكم بالإعدام, وشنق الضياء ورغم, ورغم ستلد أرضنا: يحيى ومحييي وعماداً وبساماً وصلاحاً.
وسيخرج عند الصباح عبدالله البرغوثي وصحبه, ليطردوك يا (5 يونية) من أرضنا وسنعود عند الصبح, أليس الصبح بقريب؟ بلى.
وعندها ليس لك ولا عليك من الله سلام.