(وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوم، إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُون فَإنَّهُم يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُون، وتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُون)
خرج علينا -عدو الله- أولمرت، ليقول بأن جيشه يخوض حرباً حقيقية في غزة مع المقاومة الفلسطينية، وأكّد بأنه ليس لدى 'إسرائيل' نية في الوقت الحاضر على مفاوضة حماس، وهي المرة الأولى التي تتداول فيها الأوساط الإسرائيلية السياسية والعسكرية على مستويات عالية حسب ما نشره الإعلام الصهيوني- قضية مفاوضة حماس، بل إن الرجل العسكري المشهود له في 'إسرائيل' شاؤول موفاز دعا بصراحة إلى حوار حركة حماس فما الذي جرى؟!
ولكي ندرك ما جرى علينا أن نقف عند نقطة هامة، وهي أن حماس الآن تمسك –نسبيًّا- بقواعد اللعبة السياسية في المشهد الفلسطيني، ولن يتعجب من هذا 'الرأي' إلا من أراد أن يمنّي نفسه بالأوهام والأباطيل، فمنذ عملية 'الحسم العسكري' والتي يطلق عليها 'عملية التطهير' أو'عملية حماية الظهر' أو غيرها من المسميات، وبعد أن تهاوت أجهزة أمن عباس في غزة بسرعة أذهلت القريب والبعيد، وبعد أن كشفت كثيراً من الأوراق السوداء للشعب الفلسطيني وبانت الحقائق الناصعة له، وبعد الانجازات الكبيرة التي تقوم بها حماس في قطاع غزة من تبعات 'التطهير' –رغم الحصار- على المستويات الأمنية والاجتماعية، وعلى مستوى الإعداد العسكري المتواصل للمواجهة مع العدو، وبعد أن أصبح المقاوم البطل يخرج من باب البيت لا من الشباك بكل أمان وحماية من حكومته! وبعد أن أصبح ابن فتح وحماس والجهاد والشعبية والديمقراطية وغيرهم آمنين على بيوتهم وممتلكاتهم وسلاحهم.. بعد كل هذا حماس تحولت من حجر عثرة في طريق التسوية، إلى صخرة ضخمة تتحطم عليها كل المشاريع الهزيلة، والاتفاقيات المهينة، فليس بوسع العملاء العمل تحت أسماء ومسميات أمنية في غزة، وليس بوسع الاتفاقيات التي تعقد في تل أبيب أو القدس أن تمنع المقاومين من إطلاق الصواريخ، وحفر الأنفاق، وصيد الأغبياء والأفاعي والجرذان والغربان!!
لقد طرحنا هذا الطرح في اليوم الأول للحسم العسكري واعتبره البعض شاذاًّ، وقاصراً، كمن ينظر أسفل قدميه، لكن الأيام دارت، واعترف العدو الصهيوني بأن غزة أضحت الآن في خاصرته، وبالتالي لا مجال أمام البطات العرجاء -كما وصفهم كاتب صهيوني- 'عباس بوش أولمرت' سوى الرضوخ أمام المعادلة الصعبة والقاسية وقبول حماس كأمر واقع، وإلا فالتجارب الصهيونية والعباسية على حد سواء حافلة بالفشل الذريع في القضاء على كابوس 'حماس' المزعج، بل لقد أثبتت الأيام أن حماس تنمو وتتفرع وسط المعاناة، ومشاهد الانطلاقة العشرين، واحتفالات العيد تحت الحصار قطعت قول كل خطيب، فالإبداع من وسط الألم، والتميز رغم المحن، ونقل الصورة الصادقة إلى العالم، وكسب التعاطف الجماهيري العربي والإسلامي مع الشعب والقضية العادلة التي لا تقوم إلاّ بقانون الشاعر:
بحد السيف تُجتثُّ الرِّقاب **** ولا يجدي مع البغي العتاب
إن هذه التصريحات الصهيونية الجديدة والفريدة من نوعها لتدل على مدى العجز -رغم القوة العسكرية- في مواجهة المقاومة الفلسطينية، بل إن هذا الانحدار لأقوى جيش عسكري في المشرق الإسلامي لم يتسن له الحدوث إلا بعد أن سادت النظرية العقدية الإسلامية في مواجهة النظرية العقدية الصهيونية، ولن تتهاوى دولة المسخ إلا بتهاوي كل أصنام الباطل من شخوص فاسدة عميلة، أو نظريات علمانية مقيتة، أو أطروحات تفاوضية خبيثة، والأمر لن يحدث في يوم وليلة كما يتوهم كثير من الأغرار بل المعركة طويلة..
ولقد بدأت تجليات السقوط المدوي للنظرية الليبرالية الصهيوينة ووكلائها من أرباب النظريات العلمانية اللاقومية واللاوطنية، فالجيش الصهيوني لم يكن يصرّح بعملياته في الحقب السابقة، ولم يكن أربابه يكثرون الكلام في المعارك الميدانية التي يستشرفون حدوثها، بل كان فعلهم يسبق قولهم- وهي عادة اليهود في الغدر- لكن الأوراق اليوم مكشوفة فالتصريحات بالعمليات العسكرية في غزة والتي أخذت مسميات عدة –ربما بهدف إرهاب الخصم- بدأت منذ الحسم ومازالت، والمعارك الإسرائيلية الداخلية تدّعم الاختلاف على آلية استرجاع غزة لعباس والأمر عندهم 'حيص بيص'..!!
وعلى النقيض من ذلك، فقد كانت المقاومة الفلسطينية الباسلة تفاجئ هذا العدو وتضربه من حيث لا يدري، عبر العمليات البطولية النوعية الهجومية منها والدفاعية. وإعداد المقاومة وتكتيكاتها العسكرية لم يعد يخفي على الجيش الصهيوني الذي بدأ يتحسس الحدود خوفاً من قادم مجهول من أرض تُرفع فيها أشرعة المقاومة بكل حرية وانتظام، بل إن العسكر الصهيوني دخل في حالة من 'الهلوسة' في تحديد أنواع الأسلحة التي تمتلكها المقاومة، وأدّت هذه الحالة إلى الاختلاف مع مصر واتهامها بدعم حماس عبر الأنفاق، مما أدى إلى اتساع هوّة الاختلاف بين الإدارة الأمريكية ومصر وقطع المعونات عن الأخيرة! وصدق الله عز وجل إذ يقول: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون، لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون).
من هذا المنطلق يجب أن ندرك أن القضية الفلسطينية أصحبت تحت مجهر القريب والبعيد، وأنها أصبحت أكثر مركزية في الصراعات الإقليمية والدولية التي تبوتق شقها الأول في مشروع حماية 'إسرائيل' أو إطالة أمدها! وتبوتق الآخر في مشروع مقاومة وجودها، وإن وجود مشروع ذي صبغة دولية يدعم المقاومة في فلسطين بأقل الممكن! هو في حد ذاته عامل نجاح كبير، وقفزة إلى الأمام، وإن وجود كيان قوي متماسك (يمتلك شعبية 14 ديسمبر 'الأخضر' في ساحة الكتيبة رغم الحصار) في غزة يعتبر ضمن مشروع المقاومة هو أمر غاية في الخطورة على المشاريع الأمريكية والصهيوينة التي يتعلق بأذيالها عباس وفياض، وتغدق عليهم المليارات من أجل الثبات على الإنحطاط..!
ومن هنا فإن أمريكا والعدو الصهيوني -بمباركة عباس وفريقه في رام الله- يحاولان بكل السبل إفشال هذا الكيان الصامد في غزة بالحل العسكري بعد سقوط الحلول السابقة في 14 حزيران 2007م كأبراج من ورق..
ولذلك نسمع بتصريحات من الإدارة الأمريكية توافق تصريحات الكيان الصهيوني بأن المقاومة في غزة تمتلك أسلحة خطيرة قادرة على ضرب منشآت عسكرية صهيونية، أو إسقاط طائرات عامودية أونفاثة....! والكثير من سيل التصريحات التي تضخّم واقع المقاومة التي تصنع السلاح بآليات بدائية جدّا رغم الحصار والتضييق والملاحقة.
وإن لهذه التصريحات ما بعدها سيما إذا علمنا أن عصبة الحكومات العربية الخانعة ذهبت لأنابوليس مشرّعة لكل عدوان بعده، فبالإمكان الآن الاستفراد بغزة بالاغتيالات وضرب المنشآت الحكومية والبلدية والاجتماعية، وبالتالي شل القطاع تمهيداً لحضور قوات دولية وافق عليها 'رئيس نفسه عباس'، ومن ثم إعادة 'شرعية أمريكا' إلى غزة...!
ولذلك على قادة المقاومة أن يكونوا أكثر حذرا من ذي قبل، وعلى الإعلام الفلسطيني المقاوم -سيما شبكة الأقصى الرائدة المبدعة- أن يكون أكثر وعياً وأن لا ينساق خلف التصريحات الصهيونية، والتعاطي معها كأمرٍ واقع، والترويح للخارج بأن المقاومة تمتلك الأسلحة الثقيلة، وأنها على ما يرام إلى أبعد الحدود، بل عليهم إرهاب العدو، وزرع الأمل بقدر المستطاع، والتأكيد على أننا شعب محتل من قبل أضخم ترسانة عسكرية في المنطقة، والتركيز على المنظمة العسكرية الصهيونية التي يمتلكها العدو، وتبيين أهمية الدعم العربي والإسلامي، وليس هذا بخذلان! بل تكتيك إعلامي ذكي، يهدف إلى المزيد من تعاطف الناس مع المقاومة، كما أن التغطية على تكتيكات المجاهدين والتورية عنهم واجب، فهي مقاربة لابد منها !
كل هذه الأطروحات التي تبحث حسم أمر غزة، أو استعادتها ! -والتي يتداولها المفكرون والمحللون الأجانب والصهاينة- تبدو وجلة من طبيعة الردود من غزة، وكيفية مواجهة المقاومة، والمجتمع الصهيوني بطبيعته لن يتقبل العشرات أو المئات من الأكفان السوداء، فالاجتياحات 'الجيبية' المتكررة على أطراف القطاع أثبتت للقاصي والداني أن إخضاع غزة ضربٌ من المستحيل، وأن الشعب الفلسطيني مستعد لتقديم آلاف الشهداء من غير كلل على مذبح كرامته واستعادة مقدساته، وتحمي هذا الشعب في غزة قيادة تنشر الأمن، وتضمد الجراح وتفتح الآفاق وتقاوم الحصار، وتنزل عند حاجات الشعب وهمومه..
سأقف عند 'دوحة الكرامات'، ولن أتحدث هذه المرة عن أوباش المقاطعة، أصحاب نظرية الخذلان؛ لأن بذكرهم تبتئس النفوس، ويتعكر صفو الحياة، وتذهب الملائكة، وترتع الشياطين!
من هنا حق على كل مسلم حر غيور أن يُقبل جبين غزة الصامدة، بمقاوميها الأبطال، وشهدائها الأطهار، وجرحاها الصابرين، وحكومتها الشرعية الأبية الثابتة، فلقد غيّرت المعادلة، وتُحَقق يوماً بعد يوم نصراً مأمولاً موعوداً من قبل رب كريم، فجذع الإيمان لا يهون، بل يظل باسقاً مهما عتت الرياح، وصفرت العواصف.
(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)