1-مدخل: حكاية الشاطر حسن.
تلجأ الأمم والشعوب في المحن إلى مقاومة أزماتها وتحدي قسوة الظروف بالحكايات الشعبية، وتلجأ في حالات الغزو الخارجي إلى إبداع صور من البطولة والرمزيات والتعبئة ضد هذا الغزو بنماذج من الشخصيات لها بطولة فذّة وإسهام في دحر العدوان. وامتلأ المخيال الشعبي العربي بالعديد من الحكايات والشخصيات ومنها الشاطر حسن، وعلي الزيبق، وحمزة البهلوان، والأميرة ذات الهمة، وجرى بعث شخصيات من التاريخ مع إضفاء صور إضافية من البطولة عليها مثل عنترة بن شداد والزير سالم وعروة بن الورد، إلخ.
وإذا تعطّلت حقبة من إنتاج الأبطال لجأ المخيال إلى الاحتيال بإبداع شخصيات من الخيال تملأ الفراغ.
وفي فترات القمع والسطوة والقهر والكبت والغشم والجلوزة والاستضعاف، يلجأ الأدب من جديد إلى حيله الفنية المشوقة فظهرت عندنا حكايات على ألسن الحيوانات ككليلة ودمنة أو الدراويش أو المهابيل والمساطيل الذين يستهبلون ويقولون في حالة الاستهبال ما لا يستطيع قوله أشداء الرجال، والشجعان المقدامون والأذكياء العقلاء! في هذا السياق ظهر جحا وحكاياته الطريفة.
إنّ الحاجة إلى البطولة والأبطال ضرورية وملحّة، وفي هذا جميل أن يقرأ كتاب توماس كارلايل عن البطولة والأبطال.
وإقفار الحقبة التاريخية، أيّ حقبة من بطل كصلاح الدين يجمع الشمل ويطرد المحتل، أقول، إقفار حقبة، أو إجدابها، أشدّ على الأمم من الأزمات الاقتصادية. كل هذه الصور تعوّضها الأمم الحيّة بتشغيل الخيال واستثارة المخزون في المخيال، وصناعة الأبطال الذين أقفر الواقع عن إنجابهم وإنتاجهم، وعقمت النساء أن يلدن مثلهم.
ونركّز الآن على حكاية الشاطر حسن، فهو عندنا رمز للبطل الشعبي الذي تضاف إلى حكايته مئات الحكايات، وكل بلد وكل أديب وكل حكواتي أو حكاء أو قصاص شعبي يضيف ما يسعفه خياله، ويولد ما يشوق الناس إلى سماعه.
من هنا أصبح لاسم «الشاطر حسن» قيمة رمزية وفنية، ومجرد ذكر اسمه يتداعى من المخزون صور من البطولة النادرة والشجاعة الخارقة والنكاية في الأعداء.
2- حكاية السيد حسن.
وفي تاريخنا المعاش المعاصر، في حقبة أقفرت من الأبطال الذين يخوضون معارك الأمة الحقيقية، وبخاصة مع عدوها المجرم الإرهابي مغتصب المقدسات، تعلَّق الناس بمنظمة التحرير، وصارت بزة الفدائي المرقطة رمز الرجولة وحلم الشباب العربي، ثم تبيّن أنّ كل ذلك فقاعة، فوقع الناس في إحباط لا يعلم مداه إلاّ الله.
وبعد انطفاء منظفة التحرير والنهاية المأساوية الهزلية لوجودها في بيروت ولبنان، بدأ يتشكّل في المخيال الشعبي صورة البطل الرمز الشيخ المقاوم المتمثل الدين وموهبة الخطابة. من هنا بدأت تتشكّل شيئاً فشيئاً حكاية السيد حسن. في وقت متعطشة فيه الناس إلى البطل، مشتاقة فيه إلى الرمز، متطلعة إلى المقاوم الصلب، ظهر السيد في الوقت المناسب، مثلما ظهر عبد الناصر في الظرف والوقت المناسب، ثم كان النتاج لا شيء.
لمع السيد حسن كالشهاب، وازدادت الرمزية بفقد ولده في القتال مع الأعداء. ثم حرب 2000 و2006 وما نتج من تحرير الجنوب.
وتعمّقت المحبة، حين أحسّ الناس أنّه يدغدغ آمالهم وأحلامهم بكسر هيبة «إسرائيل» وتمريغ غطرستها في الوحل مع شيء من البهارات الشعبية والتوابل المحلية، والمبالغة الطبيعية كما قال القرآن عن شخص اشتعل خياله من العطش فحسب الصحراء ماء من شدة العطش ولمعان الآل (أيّ السراب!) واقرأ: «والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب».
وزاده منزلة في قلوب الناس استعلاؤه، كما كان يبدو، على الطائفية المقيتة البغيضة النتنة الضيقة.
فاكتملت له الهالة والرمزية والبطولة، واحتلّ في قلوب الناس منزلة لم تكن إلاّ لعظماء تاريخنا.
ولكن وكما يقول إخواننا المصريون: يا فرحة ما تمّت، كان صرحاً من خيال فهوى، وما جرى على السابقين من عبد الناصر إلى عرفات، جرى على السيد نصر الله.
لقد تحطّمت الأسطورة وتبخّرت الهالة والرمزية، وعباءة البطولة انشمرت، وانكشفت، وتهلهلت، وتمزقت، وذرتها الرياح، وتبخّرت مع كل ذلك مصداقيته، كانت زُعمت أو ادُّعيت وإذ بها «فالصو»، «وفيشنك»! «كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف».
3- غلطة عمْر.
ثم كانت وقعة الشاطر حسن، بل سقطته وغلطته وخطؤه، بل خطيئته، وهو الذي كان يحدّثنا كل سنة عشرة أيام عاشوراء كل يوم خطاباً لا يقلّ عن ساعة تعبوية عن مظلومية الحسين سيد الشهداء، فلمّا قام الشعب يتمرّد على أظلم من في الدنيا، انحاز الشاطر حسن إلى الظالم لا إلى المظلوم، ونسي الاستعلاء على الطائفية، وإذ به يستخدمها ويستغلّها أبشع استخدام واستغلال بأسلوب دون، فمتى كان أهل السنّة يهددون «مرقد» السيدة زينب؟ أليست «مراقد» السيدة زينب في القاهرة والست نفيسة وسكينة (من غير ريا)، ومقام الحسين، أليست في القاهرة ودمشق منذ نيف وألف سنة، فماذا جرى عليها أو لها؟ وهل مقام من حجارة أغلى من مساجد أهل السنّة كلها، والمقام لم يمسّ، والمساجد هدمت بالفعل بالآلاف، وقتل من البشر عشرات الآلاف وهدمت أكثر من نصف بيوت سوريا بأكملها. فهل مرقد لم يمسّ أغلى من كل هذا يا سيد؟ غلطة الشاطر حسن بألف يا سيد!
أين الذكاء والتوقد اللذين كنّا نظنّهما فيك؟ أم حبك الطائفي لبشار الكافر في ملّتكم أنتم، يعمي ويصم؟ لا تقل لي حتى لا ينكشف ظهر المقاومة وكأن أهل السنّة أعداء المقاومة ولا نصير لها إلاّ بشار!
4- غلطة الشاطر حسن.
لقد حصلت يا سيد، في قلوب الناس منزلة لم تكن لأحد من معاصريك. لقد وصلت إلى قمة لم يبلغها أحد منهم. ويا للخسارة، بل يا للحماقة، لم تحافظ على هذا الرصيد ولم تحفظ هذه الثروة من محبة الناس وهذا الرأسمال من تعاطفهم هو الذي كان يحقق لكم النصر، بعد أمر الله.
الآن بدأت الناس تعيد قراءة التاريخ وتعيد تفسير الأحداث بأثر رجعي، لقد فقدت كل كلمة قيلت صدقيتها ورصيدها ودمّرت تاريخاً وحرقت صفحات من البطولة، يبدو أنّها كانت زيفاً في زيف.
أمّا ادّعاؤك بأنّ نصر الثورة الشعبية سيأتي بأمريكا إلى المنطقة. يا سيد لا تستهبل الناس. إنّ من أمروك بهذا الموقف من ملالي طهران هم أول من أتى بأمريكا إلى المنطقة، ولم نسمع منك عتاباً رقيقاً ولا كلمة. سقط زعيم، شسع نعله يساوي ألفاً، من الزعيم الذي تموت أنت وشعبيتك في الدفاع عنه. ووعدك بالنصر أخزى ما قلت. أيّ نصر؟ وعلى من؟
على كل حال لن يكون لك أن تنضمّ إلى الأساطير الشعبية، ولا يحق لك أن تحظى بالتسجيل حتى في قصص الشاطر حسن. ولن يحكي حكايتك للأجيال حكّاء الحكايات الشعبية. راحت عليك، يا شاطر حسن. طلعت مش شاطر!