مازالت الساحة الفلسطينية تعيش في فضاء رمادي. لعبة التخمينات هي سيدة الموقف عند المخمنين السياسيين. أين نحن ذاهبون مع رئيس السلطة؟! أو قل أين هو ذاهب بنا وبالقضية؟! هل نحن ذاهبون إلى سلام (اقتصادي) ورشوة مالية استثمارية بأربعة مليارات دولار؟ أم نحن ذاهبون إلى حل الدولة المؤقتة بدون القدس؟! هل ثمة فرصة واقعية لإحياء حل الدولتين مع تبادل أراضٍ تدعمه دولة عربية؟! أم أن فرص حل الدولتين قد تبخرت في الوجدان القيادي الإسرائيلي والفلسطيني؟!.
لا أحد من الفلسطينيين اللاعبين في الحقل السياسي يعرف بدقة أين نحن ذاهبون مع جون كيري؟. صائب عريقات كبير المفاوضين نفسه لا يعرف الإجابة، ويدور حول نفسه حين تحيط به وسائل الإعلام، والكلام معاد ومكرر في كل موقف. هل نجح (دافوس الأردن) في إحداث اختراق مضيء في عتمة التسوية التي ضربها المفاوض المعتم على الشعب الفلسطيني؟!
أم أن ما حدث في لقاء بيرس عباس كيري في ظل الرعاية الملكية الأردنية كان من باب العلاقات العامة، وتوزيع الابتسامات على وسائل الإعلام؟! كلام رئيس السلطة في المؤتمر لم يحمل جديدًا ولكنه تحدث عن فرصة ممكنة للتسوية والسلام. كيف نتعرف على الفرصة؟ ما حدودها؟ ومعالمها؟ ومن الذي وفرها؟ والجانب الصهيوني ما زال يتحدث عن الدولة اليهودية، وعن القدس العاصمة الأبدية، وعن مستوطنات دائمة، وعن أراض مستأجرة في الأغوار، وعن .. وعن .. إلخ والحال هو هو كما كان قبل دافوس الأردن.
ثمة إشارات تتحدث عن اختراقات محتملة، كقول جهات إسرائيلية إن ليفني مسؤولة ملف المفاوضات تدرس إمكانية الإفراج عن أسرى معتقلين قبل اتفاقية أوسلو. وكقول جهات عربية إنها توافق وتدعم موافقة السلطة على تبادل الأراضي، وكقول جهات ثالثة لماذا تنازلت السلطة عن حقوق الشعب في مؤسسة اليونسكو كحسن نية، وعربون صداقة.
عباس نفسه قال: نحن أعدنا 96 إسرائيليا بسلاحهم إلى دولتهم، ونحن لا نخجل من التنسيق الأمني؟! وهذه أقوال في (العضل) كما يقولون. التنسيق الأمني في أعراف المعارضة الفلسطينية عمالة، وتخابر مع المحتل فيه إضرار بمصالح الشعب، والتخابر جريمة يعاقب عليها القانون.
أحد المتخابرين مع العدو قدم دفاعا عن نفسه فقال: أنتم تحرمون تخابر الصغار أمثالنا وتعتبرونه جريمة رغم أننا ضحايا شراك العدو والفقر، وتحللون تخابر الكبار من قادة السلطة، وقادة الأجهزة الأمنية، وهم ليسوا ضحايا وليسوا فقراء بل يقومون بالأعمال نفسها التي نقوم بها عن قناعة وإرادة، ونحن نتوارى في أعمالنا عن الخلق، لأننا نشعر بالعار رغم تحقيق مصالحنا بها.
ما قاله رئيس السلطة في دافوس عار، ومع ذلك لن يخرجه من الحالة الرمادية التي أسكن نفسه وشعبه فيها عقدين من الزمن، وليست ثمة فرصة جيدة أمام كيري للنجاح، لأن العتمة الإسرائيلية تحيط بالملف كاملاً من جميع الجهات، وستبقى لعبة التخمينات سيدة الفضاء الفلسطيني إلى أن يراجع الفلسطيني نفسه.