1- مدخل: تواطؤ مكشوف مع الأسد.
قلنا منذ اليوم الأول للثورة إنّ «إسرائيل» لا تريد إسقاط الأسد، ولذلك هي التي تعوق وتعيق كل حركة لإدانته أو لإضعافه. وإنّ أمريكا تمتثل أمرها، والاتحاد الأوربي كذلك. هذا ليس مبالغة، كما قد يتوهم البعض، وخاصة من يريد أن يظلّ على اعتقاده أو توهمه أنّ الأسد عدو الإمبريالية والصهيونية ورمز المقاومة والصمود، وما كان باطنياً صار ظاهرياً ظاهراً ليس خفياً، وتكشّف كل الذي قيل وأكثر، فإبراهام هاليفي مدير مخابرات إسرائيلي سابق يقول قبل أيام من نشر هذا المقال: إنّ الأسد هو رجل «إسرائيل» في سوريا وبعدها بيوم تنشر الصحف البريطانية ما افتتحنا به هذه المقالة. والذي مفاده: لأن «إسرائيل» تريد بشار الأسد، فإنّ «إسرائيل» وأوربا وأمريكا باتت مقتنعة أنّ الأسد هو خير ممّن سيأتي بعده من الحركات الإسلامية المتشددة.
وبات مكشوفاً ما قلناه من أول يوم أنّ بعض العناصر التي تسرّبت باسم التشدد كانت تخدم هذا المخطط. ولاحظوا أنّه بعد التواطؤ الأمريكي والروسي تحسّن وضع النظام السوري. هذه أنظمة تنصب في الخارج وتقرر مصائرها في الخارج!
2- القصف الإسرائيلي.
لا نشك كما سلف لحظة أنّ «إسرائيل» تريد بقاء نظام الأسد، ولا تريد إضعافه، وهي التي، من خلال نفوذها ويدها الطائلة وتداخلاتها وتدخلاتها، هي التي تمنع تسليح الثوار، وتعطل اتخاذ أيّ قرار لمصلحة الثورة أو لمحاكمة النظام. وموقف أمريكا التي تمشي في القضية على استحياء، ما هو إلاّ صدى لصوت «إسرائيل»، وانعكاس لموقف «إسرائيل». في ضوء هذا نفهم القصف الإسرائيلي.
وهذا القصف إمّا أنّه قصف حقيقي أيّ لأهداف حيوية حقيقية، فهذا خسارة لنا وللشعب السوري والثورة السورية لأنهم وارثو سوريا ووارثو هذا النظام السفاح. ويكون هذا مؤشراً على تدهور النظام وضعفه ويأس «إسرائيل» منه ومن بقائه، فقصف هذه المرافق للسبب الذي أسلفنا.
وأمّا أنّ القصف تمثيلي واستعراضي وهو لأهداف وهمية غير حقيقية وغير ذات شأن، وساعتها فإنّ هدف القصف الإسرائيلي خلط الأوراق والتشويش على الثورة.
وأشهد أنّ النظام القذر استغلّ القصف أبشع استغلال فتكلّم ناطقوه عبر كل الفضائيات والإذاعات المسموعة، واستعرضوا قدراتهم اللفظية والدعائية والتهريجية من شريف «شحاطة» إلى بسام أبو عبد الله إلى «المحمد» إلى أحمد صوان إلى أحمد الحاج علي، إلى آخر الجوقة ووزير الداخلية ومساعد وزير الخارجية المقداد العلوي والحلقي، والفرقة كلها.
حتى لقد بلغ «بشحاطة» أن قال إنّ هناك أنفاقاً تمدّ «إسرائيل» من خلالها الثوار بالسلاح، وأشهد أنّه خيال قصاص كذاب، فـ»إسرائيل» آخر ما يخطر ببالها أن تمدّ الثوار أو أن تؤيدهم. وما الذي يمنع تركيا وقد كانت تهدد إنّها لن تسكت فسكتت فجأة؟ فتّش عن «إسرائيل» وأصابع اليهود. ولتركيا وقفة.
وإذا كان القصف وهمياً فمهمّته التشويش على الثورة، ومساعدة النظام في حملته الدعائية والسياسية. ومن مهمّاته كذلك خلط الأوراق وتضليل الجماهير، وتضبيب الرؤية، وتعتيم المشهد.
أنت أمام عدو خطر مخطط قذر باطني شأنه شأن إيران في الباطنية وإظهار عكس ما في الحقيقة والواقع.
ولاحظوا تزامن القصف مع عنف المجازر في البيضا وبانياس وقرى الغوطة وغيرها، وأحسن غطاء على هذه المجازر الرهيبة، وأحسن تبييض لصفحة النظام هو هذا القصف الذي سيوجه الأنظار إلى «إسرائيل»، ويصرف الأنظار. وأنا أكتب هذه الكلمات كان التلفزيون ينقل خبراً أنّ نتنياهو أكّد للأسد أنّ نظامه غير مستهدف بالغارات.
وأقرأ أنّ الإخبارية السورية تقول إنّ لسوريا صواريخ منصوبة ستضرب بها «إسرائيل» إذا وجّهت عدواناً جديداً على سوريا. ونتحدى النظام الذي ظلّ يُردد لأربعين سنة: نحتفظ، في الثلاجة، بحق الرد على العدوان الإسرائيلي «وباظ» هذا الذي زعموه حق الرد، وصار نكتة العصر وسخرية الدهر. هذا الرد الذي قتلنا من القهر!
3- مستجدات الثورة ومعركتها مع النظام.
في الوقت الذي تملأ الدول العربية المعتلة المسماة المعتدلة تملأ الفضاء ضجيجاً بأنّها تساند الثورة وتساعد الثورة، فإنّ إيران تملأ ساحات الميدان جنوداً وأسلحة دمار وقادة عسكريين ومعدات متطورة، وتأمر حزب الله والمالكي، وتجنّد الشيعة من الهند والباكستان وبنجلاديش وتزجّ بهذه القوى كلها في ساحة الحرب حتى استطاعت أن تقلب موازين القوى ومعادلات الجيش الحر والجيش النظامي فبعد أن كانت الكفة راجحة للثوار، أصبحت كفة النظام الآن تتزايد قوة وتحقق بعض المنجزات.
يا أمة الإسلام، يا زعماء العربان. دولة واحدة تحتلّ المنطقة وتعربد فيها، وعشرون دولة شلاء عرجاء كالبطة العرجاء لا تحرك ساكناً؟! اعلموا أنّ الكفّة إن مالت على إخوانكم فلتبلعنّ إيران المنطقة.
هل هذا ما تريدون؟ يا زعماء التقاعس والخذلان، أما آن الأوان أن تقفوا وقفة حقّ ليوم فصل، ليوم واحد في حياتكم؟!
والحديث مستمر.