إسهال ديمقراطي

نشر 22 مايو 2013 | 07:51

الإسهال الديمقراطي هو وجه آخر للاستبداد. الاستبداد حالة مرضية والإسهال الديمقراطي حالة مرضية أخرى. المرض المجافي للعافية هو القاسم المشترك بين الحالتين. الاستبداد تسلط الفرد بالحكم على المجتمع برأيه فهو لا يسمع إلا نفسه ولا يرى صواباً خارج رأيه وقوله. وفي النهاية المجتمع شقي به. والإسهال الديمقراطي فساد في الرأي وفي الإجراء والسلوك ينتهي بتوقف حال الأمة بحيث تصير كحمار الرحى يدور حول نفسه.

 

يحكي تاريخ الاستعمار في المائة سنة الماضية أن أوروبا وأميركا كانوا أصدقاء للمستبدين العرب وكانوا ينشرون عليهم مظلة من الحماية. مبارك وزين العابدين والقذافي والأسد وغيرهم يحظى كل واحد منهم برعاية وحماية غربية من مخرجاتها حماية الاستبداد وحماية مصالح الدولة الاستعمارية من خلال النظام المستبد.

 

السياسة الغربية وكذا الشرقية الشيوعية والاشتراكية لا تعرف إلا لغة المصالح والمال. لا أخلاق في السياسة ولا دين ولا قانون. القانون الموجود هو قانون المصلحة وقانون القوة. في ظل الثورات العربية والربيع العربي حطم الثوار الاستبداد وألحقوا أضراراً كبيرة بالمصالح الاستعمارية وظن الناس أن سقوط مبارك أو القذافي أو زين العابدين يعني سقوط الاستبداد وسقوط مصالح الدول الاستعمارية أيضاً. ونسي الثوار أن الدول الاستعمارية تملك أدوات البقاء والسيادة بعامل القوة والتفوق ووفرة المال ولن تفرط بمصالحها بهذه السهولة ، لذا تراها أكثر قدرة على الحصول على مصالحها من خلال الديمقراطية أو قل من خلال أحداث حالة إسهال للديمقراطية لفترة تجعل الثوار أنفسهم أسرى بالرضا للإرادة الاستعمارية.

 

ثمة فرق بين الممارسة الديمقراطية الراشدة القائمة على التكيف مع آراء الآخرين وبين الديمقراطية المصابة بإسهال يمنع التقدم والتكيف كما هو الحال. في مصر وتونس وليبيا على سبيل المثال. في حالة الإسهال الديمقراطي تتعدد الأحزاب وتتشظى وترتفع الأصوات والخلافات فتسمع الجعجعة العالية ولا ترى طحناً. في بلاد الثورات الآن كلام كبير عن الحقوق ، حقوق الأفراد وحقوق الجماعات وحقوق الأقليات ، ولكن ما بعد ذلك كل شيء متوقف وثابت في مكانه بلا نمو أو تقدم.

 

الثورات قامت على الاستبداد وعلى التبعية المزرية في القرار للقوى الأجنبية ولكن منتج الثورات ما زال أسيراً للتبعية الخارجية المضرة. الإسهال الديمقراطي هو علامة استعمارية مميزة على بقاء التبعية. الخلافات الحزبية والمعارك الإعلامية التي لا تخبو نيرانها هي علامة أخرى على هذا الإسهال. العلامات لا تقبل العد والحصر لكثرتها وهذا من شأنه أن ينشر حالة من الإحباط العام من جدوى الثورات. نقول هذا من باب التشخيص في ظل مأساة إغلاق معبر رفح تعسفًّا في ظل ثورة مجيدة رفعت شعار تحرير فلسطين. نقول بهذا التشخيص المؤلم لا لنعبر عن حالة إحباط يريد نشرها أعداؤنا وإنما نقوله لكي نعالج فئة من إسهال ديمقراطي هو من صناعة فوضى استعمارية تستهدف السيطرة على الثورات واحتواءها واستبقاء التبعية. الديمقراطية حالة جيدة ومنتجة من التكيف مع النفس والمجتمع والآخرين. والإسهال الديمقراطي حالة مرضية معدية تمنع الحياة الطبيعية وتمنع التكيف المنتج.