واصل كبار المسؤولين الإسرائيليين، لاسيما وزير الحرب موشيه يعلون التهديد بإن إسرائيل لن تتردد في معاودة مهاجمة أهداف داخل سوريا، وقد دفع اطمئنان النخبة الحاكمة في إسرائيل إلى طابع رد نظام الأسد إلى توجيه المزيد من الإهانات للطاغية في دمشق، تمثلت آخرها في نقل رسالة مباشرة له بإنه سيخاطر بسقوط نظام حكمه في حال قام بالرد على الهجمات المستقبلية؛ مع العلم إن الرأي السائد داخل أروقة صنع القرار الصهيوني تؤكد أن بقاء نظام الأسد يعتبر الخيار الأفضل بالنسبة للكيان الصهيوني.
الخوف من المواجهة
لكن بإزاء حالة التصميم التي تبديها نخب الحكم على مواصلة استهداف مقومات القوة العسكرية السورية، فإن نخبا عسكرية في سلك الاحتياط تختلف مع صناع القرار في تل أبيب وترفع صوتها محذرة من تداعيات أي هجمات مستقبلية على سوريا. العديد من جنرالات الاحتياط وكبار المعلقين العسكريين أكدوا أن النظام السوري قد قرر تجرع الضربة الأخيرة، على اعتبار أنه يخشى من تبعات قيامه بالرد على إسرائيل، حيث إن الرأي الراجح في إسرائيل أن بشار الأسد يخشى بأن رده على هجمات إسرائيل سيجعله يغرق في مواجهة قد تقلص من قدرته على الصمود في مواجهة أعدائه في الداخل. ويرى الجنرالات أن إيران ليست معنية بأن يتم فتح جبهة جديدة ضد نظام بشار، على اعتبار أن مثل هذه المواجهة تأتي في التوقيت غير المناسب لحكام طهران، الذين يرون أنه يتوجب تاجيل المواجهة مع إسرائيل، حتى الوقت الذي يتجاوز البرنامج النووي الإيراني « الخط الأحمر « الذي حدده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه الشهير في الأمم المتحدة، حيث عندها تفترض طهران أن إسرائيل ستقوم بضربها، وهو ما يوجب عندها تحريك الجبهتين السورية واللبنانية ضد إسرائيل. لكن هؤلاء الجنرالات يحذرون في الوقت ذاته من أن الأمور قد لا تسير وفق هذا السيناريو في حال عاودت إسرائيل ضرب أهداف في سوريا، حيث إن تكرار الهجمات قد يجعل طهران تغير تكتيكاتها في سوريا وتدفع نحو الرد على إسرائيل في مسعى لخلط الأوراق بشكل يسمح لها بهامش مناورة ما في المنطقة. نخب الاحتياط في الجيش الإسرائيلي ترى أن الإيرانيين يعون أن إسرائيل الرسمية غير معنية بمواجهة شاملة في الوقت الحالي، وأنه لولا اطمئنانها لعدم رد الأسد على هجماتها لما تجرأت على ذلك.
طهران وخلط الأوراق
وبخلاف مظاهر الثقة بالنفس التي يحرص المسؤولون الإسرائيليين الرسميون على التعبير عنها، فإن الجنرالات المتقاعدين يرون أن فتح جبهة واسعة النطاق، عبر استخدام المخزون الهائل والخطير لصواريخ سوريا وحزب الله قد تؤدي إلى اشتعال المنطقة وتلقي العمق الإسرائيلي الداخلي لضربة قوية، في وقت غير مناسب تماماً لإسرائيل. ويتساءل كثير من هؤلاء الجنرالات قائلين:» إن كانت إسرائيل تخشى من أن تتسرب الصواريخ السورية لحزب الله أو للجماعات السنية العاملة في سوريا، فإنه من العقم السماح بسيناريو يتم فيه استخدام مخزون سوريا من الصواريخ في ظل وجود الأسد. لا يستبعد الكثير من الجنرالات، سيما رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق عاموس يادلين، والذي يرأس حالياً « مركز أبحاث الأمن القومي « الإسرائيلي أن تأمر طهران حزب الله بأن يتولى إشعال الجبهة السورية في لحظة ما، دون أن يعلن عن ذلك بشكل رسمي، بحيث إنه يمكن أن يقوم بذلك تحت يافطة تنظيمات فلسطينية. ولا خلاف داخل إسرائيل على أن استخدام مخزون سوريا من الصواريخ سيؤدي إلى أذى أكبر بكثير من الأذى الذي يمكن أن يتسبب في حال تسربت هذه الصواريخ إلى خارج حدود سوريا. وإن كان هناك اجماع على أن نظام بشار الاسد يمكن إن يوافق مضطراً على هذا السيناريو، لاسيما في ظل ممارسة الضغوط عليه من قبل طهران. ويشير الكثيرون بأن النظام السوري يمكن أن يدعي أمام العالم أن رده على إسرائيل يأتي في إطار الدفاع عن النفس، الذي تكفله المواثيق الدولية. ويحذر يادلين من دور التحولات الإقليمية في التأثير على مستقبل المواجهة، منوهاً إلى أن هذه التحولات لا تخدم مخططات إسرائيل لمواصلة القصف داخل سوريا.
مخاوف مبالغ فيها
في الوقت ذاته، هناك ما يدلل على أن مظاهر الفزع الإسرائيلي من امتلاك سوريا لمنظومة الصواريخ المضادة للصواريخ( S300) دعائية وغير حقيقية ومبالغ فيها إلى حد كبير. فحسب تقديرات أوساط عسكرية إسرائيلية، فإن هناك احتمال أن تكون التصريحات التي أدلى بها عدد من المسؤولين الروس، والذين أكدوا أنهم بصدد تزويد السوريين بهذه المنظومة تأتي فقط في إطار الحرب النفسية التي تمارسها موسكو تجاه الغرب ولردع الدول الغربية عن فكرة التدخل العسكري ضد النظام السوري. ليس هذا فحسب، بل إن مستويات عسكرية بارزة قد أكدت أنه حتى لو زودت روسيا في النهاية سورية بهذه المنظومة المتطورة، التي تتمكن من إسقاط الصواريخ من على بعد 200 كلم، فإنه سيمضي عام على الأقل حتى يتمكن عناصر الدفاعات الجوية السورية من إنهاء التدريب على استخدام هذه المنظومة المعقدة والخطيرة. وفي ذات الوقت، هناك في تل أبيب من يلمح بشكل واضح إلى أن إسرائيل قد تمكنت من التعرف بشكل جيد على إمكانيات هذه المنظومة خلال المناورات المشتركة التي أجرتها مع دول البلقان خلال العامين الماضيين، مع العلم أن بعض هذه الدول تملك مثل هذه المنظومة.