1- مدخل: ما أسوأ المبادرة والتوقيت!
أسوأ ما في المبادرة، أن يعرض صاحب الحق، دون ضغط، تنازلاً عن حقه، مشفوعاً بالرجاء، والاستعطاف والتلطف بالقبول!
وكأن صاحب الحق لص سارق مبطل معتد، والمحتل الغاصب، هو الذي يرجوه صاحب المبادرة، بالتنازل والالتفات إليه والتطلع نحوه. منظرنا في مبادرتنا مخز مزر مذل مهين! وما لزّنا إلى ذلك؟! أما جربنا المبادرات والمفاوضات؟ أما لدغنا من جحرها عشرات المرات أو مئات؟
والقبح والسوء الآخر آت من تزامن المبادرة مع ذكرى اغتصاب وطننا الأقدس فلسطين! وكأن المبادرة عفو عام عن المجرمين وجرائمهم بحق فلسطين! والسوء يبدر من المبادرة ويبدو من خلال انتهازها ظرف إحباط الناس، فالثورات التي قامت ورفعت معنويات الناس، ضخ عملاء العرب لخونة العرب مئات الملايين ليحرفوا الثورات ويعطلوا مسيرتها وتنتكس المعنويات فتقبل طروح الذل والمبادرات، تماماً كطرح مؤتمر مدريد والنفوس مكسورة بكسر العراق!!
2- المبادرة في القواميس.
«بدر» في تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي، قال: بدر: بادره مبادرة وبداراً (بالكسر): عجل إلى فعل ما يرغب فيه. قول الزبيدي بالكسر في محله تماماً فلا تطرح المبادرات إلا بعد كسر كما قلنا قبل قليل، فالمبادرة لا تدل إلا على انكسار نفسي، وانحسار معنوي، وانحطاط فكري وثقافي واستراتيجي، فهذا عدو لا يصلح معه المبادرات ولا تصح، وإنما يصح أن يبادر بالقوة، وبالتي هي تُفهم.. وهو لا يَفهم إلا لغة القوة لا لغة المبادرات والارتماءات. وقوله: «عجل إلى فعل ما يرغب فيه» يحتاج إلى وقفة أيضاً.
فهل عجل العرب إلى ما ترغب الشعوب فيه؟ أو إلى ما ترغب القضية والمصلحة فيه؟ أو إلى ما ترغب الأنظمة فيه؟ أم إلى ما ترغب أمريكا فيه، ونحن ما زلنا مستعمرات لها لكن تدار بالريموت كنترول؟ أم إلى ما ترغب إسرائيل نفسها فيه؟
لم يوضح الفيروزآبادي صاحب القاموس ولا شارحه الزبيدي صاحب تاج العروس، ولا ندري سر التفريط في القدس التي هي زهرة المدائن، وعروس عروبتنا مثلما قال الشاعر السكران مظفر النواب!
ولا أدري ما موقف النواب المظفر من المبادرة في طول العالم العربي وعرضه؟ أسئلة معلقة بلا جواب في دائرة مغلقة من الحيرة والضباب والعذاب!
ونواصل مع التاج إذ يقول: «وهو يتعدى بنفسه وبإلي، وقد عدُّوه مما جاء فيه فاعل في أصل الفعل، كسافر. وأبقاه بعضهم على أصل المفاعلة، وذلك فيما يتعدى فيه بنفسه، وأما في تعديته بإلى فلا دلالة له على المفاعلة كما لا يخفى».
في السطرين السابقين من كلام الزبيدي وردت مشتقات «التعدي» فقط 4مرات. وعجيب كلام علمائنا وبعد نظرهم. فنحن نعلن عليهم الحب كما قالت الكاتبة الفلتانة «غادة السمان» وهم يعلنون علينا الحرب. نحن نطرح مبادرات السلام، واللئام يطرحون مبادرات الإجرام.
نحن ألقينا على طاولة «الروليت» للمفاوضات القمارية أو الحمارية كما هي «المسألة الحمارية» في علم المواريث، وهم أعلنوا عن مزيد من بناء المستوطنات، ودعوا إلى اقتحام جماعي للأقصى! وهل مبادرتنا للجم الاستيطان كما كانت توهمنا المنظمة، بأن السلام خطة وطريقة للجم الاستيطان لأنا بالسلام ثبتنا حقنا في الأرض الفلسطينية «وانتزعنا» أرضنا من براثن الصهاينة(أصدقائنا لاحقاً بعد السلام علانية، وسابقاً قبل السلام حباً سرياً!) فهل السلام ثبّت حقنا يا قومنا؟ وإلى ماذا انتهينا أخيراً؟ انتهينا إلى تثبيت المستوطنات التي تورمت وسمنت وانتفخت وتمددت واتسعت وتشرعنت وتمادت وتكاثرت كالجراد وابتلعت أرضنا وجبالنا واعترفنا نحن بها من خلال المبادلة بالمبادرة.
قول الزبيدي: «على أصل المفاعلة» أي أن المبادرة فيها طرفان: طرف مبادر (بالكسر) هم العرب، وطرف مبادر (بفتح الشهية والطمع في الأرض العربية هم اليهود الصهاينة المتعززون علينا والمتقززون من مبادرتنا!). هذا الأصل في صيغة المفاعلة. وتأمل عبقرية اللغة المغمسة بالسياسة، لغتنا العربية المكوية بالنار السياسية، تقول: إن «بادر» و «مبادرة» قد تأتي في حالتين بلا معنى المشاركة. يعني أنها حب من طرف واحد كحب المجانين العرب لليلاهم وبلواهم: مجنون ليلى، ومجنون لبنى، ومجنون عزة، وابن قيس الرقيات مجنون رقية والمجانين كثير، وما أكثر المجانين، ومجنون رابين، ومجنون نتنياهو، ومجنون إسرائيل ومجنون أمريكا.. هذا «هواية» بالعراقي المالكي.
أما الحالة الأولى، وعبارة التاج فيها: «وعدُّوه مما جاء فيه فاعل في أصل الفعل كسافر» أي لازم أصلي كسافر. (صحيح أن سافر لازم لكن فيه معنى المشاركة!) قال: «وأما في تعديته بإلى فلا دلالة على المفاعلة» يعني إذا قلنا: بادر العرب إلى السلام، فهو لا يأتي متعدياً ولا فيه معنى المشاركة والمفاعلة.. بل فيه معنى الممانعة من قبل إسرائيل. لقد استذلنا من ضربت عليهم الذلة، وما أذلنا إلا.. إلا.. إلا.. المبادرون!
ونواصل درس اللغة في تاج العروس الذي شرح القاموس: «وفي التنزيل: «ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا» النساء6. أي مبادرة ومسابقة لكبرهم».
ونقف وقفة أخرى عند هذا السطر من كلام التاج: لاحظ أن المبادرة لأكل مال أو أموال اليتامى جاءت في سورة المستضعفين: سورة النساء، في الآية 6 والكلمات موضع الشاهد 6 كلمات. والآية خطاب عام لكن المقصود المباشر منه أولياء الأمور! أقصد أولياء اليتيم. فاليتيم لضعفه وقلة خبرته وصغر سنه وقلة ناصره، فاليتيم كالشعب تماماً، يؤكل ماله، مسابقة ومسارعة ومبادرة لكبره. أي قبل أن يكبر ويعي وينتبه ويستيقظ ويصحو وينهض. حتى إذا نهض كشعب مصر وصحا ووعى وجد المشكلات تقصم الظهر وقد غرق البلد في مستنقع الدين إلى عشرين سنة قادمة! وبيعت كل ثرواته الاستراتيجية كالغاز في مصر، ونهبت ثروته، وتضخمت مديونيته.
ونحن في نظر إسرائيل اليتامى الذين تريد أن تأكل أموالهم قبل أن ينهضوا ويستقلوا ويعقدوا رأيهم وعزمهم على استخلاص حقهم، وأعتقد أن المبادرة فيها ذات المعنى، معنى حبل النجاة وطوق النجاة لإنقاذ إسرائيل قبل أن يستكمل الربيع العربي إنجازه تحرير بلاد العرب وكسب استقلالها الحقيقي، فقاموا يزرعون في وجهه الشوك والإشكالات، وهل يخطر ببالك، أن يحرق المجرمون قمح مصر بأيدي بعض الخونة من فلول النظام حتى لا يقال، إن مصر قاربت الاكتفاء من قمحها!؟ وحتى لا يظهر كم كان مبارك يخرب الزراعة والصناعة والاقتصاد قبل أن يصحو الشعب وهو الذي قال عن ابنه جمال: «هل أورثه خرابة» بالعربي: هل أورّث جمال مصر وهي خرائب؟
إذاً يا مجرم أنت كنت تخرب مصر تخريباً منظماً ممنهجاً.. يخرب بيتك كما خربت مصر! «ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا».
مبادرة العرب الكرام أكل أو تأكيل لليهود لحقوقنا قبل أن تكبر الثورات وقبل أن يكبر الوعي وقبل أن يرشد الشعب وقبل أن تنضج الثورات وتكتمل حلقات الانعتاق. نحن الشعوب الأيتام، وفلسطين ميراث الأجداد العظام والآباء الكرام. والمبادِرون والمبادَرون، يريدون أن يأكلوا التراث «أكلاً لمّا» ولما يستيقظ الشعب. ولكن «العيال كبرت» و»الشاهد اللي مشفش حاجة» وعى كل شيء، والمخفي ظهر وبان.. وشفنا الخيانة بالألوان! والمبادرة بنت لا يعرف من أبوها ولا خالها ولا عمها ولا ذووها.. فهي ولدت ميتة.. وعلى الشعب أن يرفضها هو قبل أن يرفضها عدو الشعب والوطن والقضية من بني الشيطان كما يقولون هم عن الناس، أعني بني صهيون.. فيكون رفضهم سبة في وجوهنا وعار الأبد.
وحديث المبادرة، لا المبادرة نفسها، ماض..