قبل خمسة وستين عامًا انتكبت فلسطين بقراها ومدنها, بجبالها وسهولها, بصحرائها وبحرها, انتهبت الأرض, وهُجّر الإنسان, وكان الهدف أن يموت الكبار وينسى الصغار, وتتفاعل عوامل الشطب والتزوير, فتضيع الهوية, وتُحور الجغرافيا, ويُشوه التاريخ. مثل هذه الأيام أُخرج أجدادي من قرية صغيرة شمال شرق مدينة غزة والتي تبعد آلاف الأمتار عن مدينة اسدود من الناحية الشرقية, إنها البطاني الغربي. تربينا في أحضانهم, وتنشأنا من الآباء على ذكر الحياة بها, وعلى بساتينها, ووديانها, ومسجدها ومدرستها وآبارها, تعرفنا على تركيبتها السكانية وعلاقاتها مع أخواتها من القرى والمدن المجاورة, عرفناها معلومات وحكايات من الأفواه, وتشرفنا بزياراتها مرات عديدة. مات أجدادي وجداتي وكبار حمولتي, وبعدها مات والدي ووالدتي وعماتي وأعمامي وأخوالي ومن هم في سنهم من عائلتي الممتدة, وها نحن في عقدنا الرابع, وبعد العقد السابع على سرقة البطاني من العصابات الصهيونية.. لن يتوقف لساننا, ولا عيوننا, ولا قلوبنا, ولا مشاعرنا, ولا آمالنا عن استحضارها بكل تفاصيل الحياة الممزوجة بعرق الأجداد والآباء, ورثناها علمًا وحقًا منهم, وسنورثها للولد والبنت, وعلى الطريق نفسها سيكون الولد والحفيد. هذا ليس حالي فقط, لكن الكلام بمثابة نموذج ينطبق على مئات القرى والمدن الفلسطينية. نقولها لنؤكد للقريب قبل البعيد أننا لن ننسى, ولن نفرط, ولن نعترف, ولن نبادل, ولن نتخلى عن حق العودة. هذا هو الشعب الفلسطيني الأصيل, وهذا هو موقفه وقيمه ودينه, فمن يُعبر عن غير ذلك فلا يمثل أحدا ميتًا كان أم حيًا, صغيرًا أو كبيرًا. بعد 65 سنة من كل محاولات الشطب والتحوير تنتفض غزة ومعها الكل الفلسطيني في مؤتمر العودة توحدنا, وتنتفض عكا ومعها كل المدن الكبرى لتؤكد على حق العودة, وتنتفض الجالية في بروكسل ومعها كل الجاليات في أوروبا لتعزز حق العودة, وتنتفض القاهرة ومعها العواصم العربية في تثبيت وتعزيز الثوابت. يوميًا يتعزز حق العودة, ويشب عن طوق النسيان. فنحن تجاوزنا البحث في حق العودة كمبدأ بل نبحث في آليات تحقيق العودة.