في غزة ، أمس الاثنين ثبت الفلسطينيون ثقافة حق العودة ,وجددوا مع رموز عربية عديدة تمسكهم بالأرض , قالوا للعالم إن فلسطين بحدودها التاريخية المعروفة حق مقدس لا يملك أحد التنازل عنه . وفي نفس الوقت عقدت السلطة في رام الله اجتماعات لمناقشة فكرة تبادل الأراضي مع الاحتلال الصهيوني بناء على مبادرة عربية معدلة عن تلك المبادرة التي اعتمدها القادة العرب في بيروت عام 2002 م . مشهدان متناقضان بعد مرور ستة عقود ونصف على سرقة الصهاينة للأرض .
المبادرة العربية القديمة مرفوضة فلسطينيًّا , ورد عليها الاحتلال بعملية "السور الواقي " ومحاصرة الرئيس عرفات ومن ثم اغتياله بالسم , والمبادرة المعدلة أسوأ بكثير , وكأنها محاولات لإرضاء الاحتلال والتحايل عليه ليرضى , لا أدري في أي أكاديمية قادة , وفي أي جامعات سياسية تخرج أولئك الذين يروجون لهذه الأفكار التي تجاوزتها الأحداث , وشبت عن طوقها الإرادات ,وفاتها قطار الجهاد والمقاومة , وطمستها حركة التغيير التي انطلقت في المنطقة . إن هذه الدعاوى والمبادرات والتحركات غير الواقعية والغريبة والشاذة تأتي في سياق مختلف عن سياق حركة التاريخ وإرادة الشعب وفعل مقاومته , إنها ناتجة عن نفسية مريضة قديمة , في الوقت الذي تسود فيه نفسية الكرامة والعزة وملامح الانتصار ,ويعيش العالم العربي في ربيع عربي ثوري . مبادرة غريبة لا تتوافق مع الواقع , لا ندري ما السبب الواضح لها , وما الحاجة لذلك ؟ لأن المشهد يتطلب تصليب موقف ,وتمسكاً بالثوابت , لأن المستقبل لصالح الحق الفلسطيني . والأكثر غرابة أن المبادرة من الجامعة العربية ولكنها بالتوافق مع قيادة منظمة التحرير ومؤسساتها المهترئة , وقيادات السلطة المضطربة التي لا ترتبط بهموم وتطلعات الجماهير , ومما يزعج ويقلق هو استمرار النمط السري في التعامل مع الملفات المصيرية من قبيل لقاءات مع الاحتلال من أفراد معزولين عن الشرعيات ,وفي أوقات خيالية لا رصيد لها من احتمالية التحقق .إن كل فلسطين ملك لنا , محنتنا أنها مغتصبة من الاحتلال , رضينا بالتدرج في التحرير وإعادتها , وقبلنا بالمرحلية التي تصب في نهر الحق النهائي ,وهذا التكتيك هو قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على أراضينا المحتلة عام 67 م وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين وإطلاق سراح الأسرى . هذا موقف مرحلي في حد ذاته , فكيف يمكن قبول التلاعب فيه من خلال مشاريع قضم له وتقزيم واقتطاع من جوهره ...؟! لقد نجح الشعب الفلسطيني في نشر الوعي التام بحق العودة , الذي هو جوهر الصراع , وعليه أن يُشكل بوعيه آلة لرفع سقف المطالب العربية , وأي موقف من أي جهة فلسطينية غير ذلك فهو لا يمثل الشعب ولا يُعبر عن القضية ، ولكنه استمرار في احتكار التمثيل في ظل استمرار اغتصاب فلسطين من قبل الاحتلال .