1-كتبت الحلقة الأولى من هذه السلسلة منذ سنوات وكانت بعنوان «العطش» ثم انقطعت عنها، انشغالاً أو انصرافاً، أو نسياناً، ثم كانت المبادرة العربية للسلام، فجددت الشوق للعود إلى السلسلة، ومواصلة الكتابة في هذا الموضوع فكانت هذه الحلقة. ونحن في هذه الحلقات نتكئ أو نعتمد على القواميس والمعجمات، لكنا نسمح لأنفسنا بالتصرف في المادة اللغوية لنعرج على السياسة، أو نَعُوج على السياسة لا شوقاً، فليس فيها ما يُشوق بل هي اعوجاج وشوك ومطبات ومستنقعات وتماسيح وقوارض، ولكنها الضرورة، ونفثة المصدور، وزفرة من يغلي صدره بمراجل الغيظ مما يدور، هذا إن كان في العالم الإسلامي برمته والعالم العربي بخصوصيته، إن كان ثمة سياسة على الإطلاق!
ولقد حفظنا من الشيخ محمد هليل رحمه الله منذ خمسين سنة إلا سنتين من شواهد اللغة العربية، وكان في الشواهد النحوية لا يشق له غبار حفظنا عنه:
للامتيار بادري
والزرع في البيادر
إذا لقيت حاتماً
ألفيت ألف مادر
ومعنى البيت أن الشاعر أو الراجز يدعو إلى المسارعة والمبادرة والشيء في أوانه وزمانه، ورمز لذلك بقوله «والزرع في البيادر»، فذاك وقت طلب الميرة، وبعض «المصطافين» أو «اللقاطة» الذين يمشون خلف الحصّادين يلتقطون ما ينسونه أو يتعمدون نسيانه وتركه لهؤلاء الملتقطين الحب وطالبي الميرة بكرامة وعزة نفس، دون تسول أو «شحادة» أو على قول المصريين «شحاتة» أو على قول الصهاينة «العرب يتسولون السلام من إسرائيل».
فمن طلب الحب والتقاطه فليبادر والزرع في البيادر. وحتى من أراد الشراء، فهذا أحسن وقت للشراء والمعروض كثير، والسعر موات، ولكن العرب طلبوا من مادر الشحيح رمز الشح، طلبوا منه الميرة، وهو في كتابهم لا يعطي الناس شيئاً ولكنهم لا يقرؤون. فكان منظر المتسول في بيادر مادر، وقول الشاعر: «إذا ألقيت حاتماً»، إذا صادفت حاتماً من أصحاب البيادر، فإنك واجد بحظك العاثر ألف مادر، ومادر نقيض حاتم، فهو رمز الشح وغل اليد والبخل والنتن والإمساك والكنود، وفي مقابل كل حاتم هناك ألف مادر، والعربي لا يدري ما يجري ويدب بقدمه ولا يحاذر، أسَقط في شرك، أم سقط في شوك، أو سقط في أُحفورة، أم سقط في جب، أم طب في لغم، أم طب في مطب، دب الدب ولا يدري أين دب! ولا يدري أين طب ولا كيف طب، وما درس ولا رتّب، ولا خطط ولا حَسَب. ولم يتعلم من خيباته، وسابق مبادراته، وما درى ولا يدري أن كثرة العرض والمعروض ترخص ثمن السلعة. فلا في التجارة يفلحون ولا في السياسة يفهمون فبأي حديث بعده يؤمنون، ومتى يدركون، وأنى يتعلمون؟! وفي معنى المبادرة أيضاً قول الشاعر: إذا هبت رياحك فاغتنمها. ولا ندري أرياح العرب هبت أم سكنت وذهبت كما قال الله تعالى: «وتذهب ريحكم» أم هي رياح اليهود هبت؟!
2-بدرٌ والمبادرة.
نقول وقومنا السياسيون حريصون على الانطلاق من الشرع في كل ما يتصرفون كما قالوا في غزوة «حفر الباطل»، إنهم لا يسكنون ولا يتحركون إلا من منطلق الشرع وحكم الشرع، ودعونا نحكي بمنطقهم، فإن المبادرة لم ترد في القرآن ولا في السنة فهي بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة معروف مكانها ومصيرها ومستقرها ومستودعها.
وورد «بداراً» في أكل مال اليتيم، وسنعود لها في حلقة تالية.
والذي في القرآن والسنة «بدر»، وبدر نقيض المبادرة. أما القرآن فقال: «ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة» وأما في السنة فجاء في الحديث: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم» وذلك في قصة حاطب، ونحن ليس لنا من حاطب، إلا أننا كحاطب ليل، لا يدري ما احتطب ولا ما احتزم، فحمل على ظهره حزمة الحطب فصار كحمالة الحطب في جيدها حبل من مسد. وربما حزم حطبه مع ثعبان أو مع عقرب أو هامة أو دابة من دواب الأرض.
وبدر عزة والمبادرة ذلة، وبدر نهج الشورى والاستقلال التام، والمبادرة نهج الفردية والإيحاء من الجهات الأجنبية. بدر وحي السماء ووعد الإله: «وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم..» والمبادرة وحي الشيطان أو الشياطين ووعد الأمريكان من بني عرقوب عبيد بني يعقوب: «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم» وشيطان الشياطين وإبليس الأبالسة «كيري» اليهودي المتعصب والمقترح على «اليعروبيين» خفض سقف المبادرة الباردة البائدة الباهتة الفاسدة «المائتة» البائسة إلى مبادرة جديدة أقل سعراً، أو بالمجان يكون أحسن، لعل العرض يغري الشراة اليهود بقبولها، أو التفضل والتنازل بالالتفات إلى أطروحة الطارحين المطروحين المنطرحين، المتشحطين الشحاذين كما وصفوكم، وبئس ما تُوصفون، وبئس ما يصفون وبئس الواصفون والموصوفون، ألهذا المقام أو الدْرك أوصلتمونا. ألهذه الدرجة مرمطتمونا وشرشحتمونا وحقّرتمونا وقزمتمونا؟ وما استشرتمونا! «أم أننا «تيم» الذين عناهم الشاعر إذ قال:
ويقضى الأمر حين تغيب تيمٌ ولا يستأذنون وهم شهود
لقد نصرنا الله ببدر ونحن أذلة وأنتم تذلون الأمة بالمبادرة ونحن أعزة. أعني أن كل مقومات القوة متوفرة لدينا، لو وجدت من يوظفها ويستغل الأسباب، كما يفعل أولو الألباب، إذ يأخذون بالأسباب، ويوظفون المتاح، أليست السياسة فن الممكن المتاح، فما هو ممكننا المتاح؟ هل انقطعت بكم السبل إلا المبادرة، استمع ماذا يفعل الحاكم الصالح: «إنّا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً فأتبع سبباً» من هنا شرق في الأرض وغرب، وقومنا ليسوا ممن شرق وغرب ولا فتح وعمّر. ولكن ممن نهب ودمر وخرب، ثم قعد على تل الخراب، فلم يجد أمامه إلا السراب، فعرض المبادرة على الكلاب ينتظر منهم رد الجواب، وهم يتمنعون ويتعززون ويشترطون ويتقززون من العارض والمعروض، بانتظار عرض جديد.
وكان بعض العرب، لا أريد أن أقول أبو إياد أو غيره، يقول لن نقلع ثيابنا في المفاوضات، لقد قلعتم يا أبا إياد ومعلمك أول القالعين وخليفته العباسي إن كان السلف قلع الجاكتة والحطة فهو قلع كل ما تبقى!
تمخض الجبل والجمل بلا حَبَل ولا خجل ولا وجل فماذا «جاب»؟ بنتاً معاقة سموها «مبادرة» بئس الوالد والوالدة والقابلة والمولود! يقول العدو إنها ولدت ميتة. مش مشكلة، بانتظار حبَل جديد، ومولود جديد، كامل الأوصاف هذه المرة، يرضي الأعداء منظره، ويغم الصديق مخبره، وسيسمونها هذه المرة «مبادرة3» بندها الأول الاعتراف بيهودية الدولة، وحجتها الشرعية: لولي الأمر إذا رأى مصلحة في عقد صلح مع العدو أن يعقده. ولا عليه بعدها أضاع حقوقنا أم بددها أم شتتها. وتكملة الفتوى، ولولي الأمر أن يستقل برأيه وله أن يستشير، وليس ملزماً أن يتجه إلى الشورى، وإذا استشار فليس ملزماً أن يأخذ بما أشار من استشار. وهكذا والحمد لله طرحنا المبادرة ملفوفة بالفتوى، ملفعة بالدليل، مزنرة بالحجة، مدعمة بالمعقول والمنقول، دون أن نستخدم السيف المصقول..
نسيت حجة قاطعة فاتتني من «لهوجة» الكلام، تقطع لسان كل خصم معاند عنيد عنود لأولي الأمر الشديد الرشيد السديد: «والصلح خير» وصحيح أن النص أصلاً في العلاقة بين الأزواج ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب!
وإلى مبادرة جديدة وكل مبادرة والأمة بخير.