في فلسطين وحدها فقط نجد المتناقضات، فالانقسام في كل شيء حتى في مقاومة الاحتلال الصهيوني، فكلٌ له طريقته في هذه المقاومة، بعضهم يقاوم بالسلاح والحجر والكلمة، وبعضهم يجد أن هذا النوع من مواجهة العدو يجلب الكوارث على الشعب والقضية، وربما وصفه بأنه “تجارة خاسرة ومقاومة عبثية”، فلذلك ابتكر مقاومة من نوع آخر، بدأها بمصطلح “المقاومة الشعبية”- التي لن أفصل كثيرا في معناها- وخرج علينا ببعض من صورها، مثلا: أكبر سدر كنافة، وأكبر طبق مفتول، وأكبر كازينو في الشرق الأوسط، وتوجها أخيراً، بإطلاق أول أسبوع موضة فلسطيني في مدينة رام الله، وفعاليات مهرجان رام الله لـ” الرقص المعاصر” تحت شعار “الاختلاف طبيعي”، وهو ما يعني المقاومة بأجساد النساء!!.عرض المسخرة
وتأكيدا، فالطرف الثاني يعتقد أن هذا النوع من “المقاومة” هو الأفضل، فمن خلاله نستطيع جلب التعاطف العالمي مع قضيتنا ونطرد الاحتلال عن أرضنا، ومن خلالها أيضا نسحب حتى القرارات التي تُدين إجراءات العدو في القدس المحتلة- هل رأيتم مجرد إدانة- سحبنا القرارات بعد أيام على زيارة الرئيس الأمريكي “باراك أوباما”، وتقديمه بعض الملايين على طاولة تجار القضية، سامحونا، لقد قلنا حينها إن الأموال الأمريكية سيكون ثمنها مبادئنا ولكن البعض رفض كلامنا، لكن الله تبارك وتعالى أظهر بعضا مما ذهبنا إليه، وبعد أيام قليلة فقط “أتمنى ألا تكون ذاكرة أولئك الناس نسيت ما تحدثنا به”!!.
عودة إلى موضوعنا، فتفاصيل الخبر الذي نشرته وسائل الإعلام بالصور، بل والفيديو تقول: “لقد قدمت فتيات فلسطينيات من القدس ومدن الضفة الغربية و( إسرائيل) يوم الجمعة عرضا للأزياء في اليوم الثاني من أسبوع الموضة الفلسطيني الذي تشارك به 30 عارضة”، وأنا أتسائل: هل وصلت بكم الوقاحة لهذه الدرجة يا سلطة العار؟ بل وفي يوم الجمعة تنظمون مثل هذا العرض الذي أظهرت الصور أن دولا مختلفة منحللة من أخلاقها تخجل من عرضه بهذه الصورة!!، ألهذه الدرجة وصلت بكم الرذيلة والانحطاط؟!!.
المشكلة في السلطة الفلسطينية أنها تعمل جاهدة على تطبيق النظرية القائلة: “كأس وغانية تفعلان بالمسلمين ما لا يفعله مليون مدفع”، والمشكلة أيضا أنها ما كانت لتجرؤ على تنظيم مثل هذه الفعاليات الساقطة مثلها تماما، لو أنها وجدت من يقف في مواجهتها مهما كلفه ذلك من ثمن.
جلست مليا وأنا أتصفح ردود أفعال الفلسطينيين الغاضبين على هذه الفضيحة المدوية عبر صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت عباراتهم شديدة اللهجة في وصف ما جرى وضرورة التحرك لوقفه، لكني للأسف أعتقد أن كلامهم لن يؤثر في سلطة سلمت شرفها للعدو منذ زمن بعيد..
غير أني في ذات الوقت استغربت توقيت هذا المهرجان الساقط، فقد جاء بعد أيام على حملة في غزة لمواجهة البنطال الساحل، والسؤال المطروح: هل قررت حكومة “رام الله” الرد على حكومة غزة التي استهدفت البنطال الساحل من خلال إطلاق حملة أخرى عنوانها “الفستان الشامر أو الشاقل”؟، وسؤالي الآخر: حسبما أعلم أن الحصار في غزة وليس في الضفة، لكن صور الفساتين التي تم تداولها أظهرت انحسارا في القماش لدى عارضات الأزياء، في الوقت الذي تنتشر الأقمشة في شوارع غزة والضفة؟ أم أن الحصار للأقمشة لدى السلطة الفلسطينية داخل المقاطعة فقط؟.
إن كانت توجد مشكلة لدى السلطة في رام الله في موضوع توريد الأقمشة لتغطية عوراتها وسوءاتها- التي أعتقد أن كل قماش الدنيا لن يسترها- فالمفترض من الحكومة الفلسطينية في غزة أن تقوم بخطوة متقدمة لإنهاء الانقسام السياسي بين الطرفين، ولتكن جريئة بتزويد “سلطة عباس” بأطنان من الأقمشة، متبوعة بمثلها من الحشمة. إن خطوة من هذا القبيل تقوم بها “حكومة هنية” ربما يكون لها بالغ الأثر في ترطيب الأجواء بين الفرقاء الفلسطينيين وتقريب وجهات النظر المتباعدة فيما بينهم، أتمنى أن تصل الرسالة لحكومة غزة بأسرع وقت ممكن وتعمل على تطبيق مطلبي من خلالها.