التوحيد هو مركز الثقل في القرآن، فلا نكاد نجد صفحة أو آية في كتاب الله إلا وتشير إليه مجملًا ومفصلًا، وكون هذه القضية مركز الاهتمام في القرآن يستدعي بالضرورة أن تكون هي المشكلة الأساسية للبشرية جمعاء في زماننا هذا كما في كل زمان.
في هذا الزمان لم يعد الناس يعبدون اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، لكن أصنامًا جديدةً من الأحزاب و"الأيديولوجيات" والزعامات قد انتصبت، إن لم يعبدها الناس بركوع أجسادهم فقد عبدوها بخضوع قلوبهم وأسر عقولهم لها، وهذا المعنى للأصنام ليس بدعًا؛ فالقرآن نفسه يحرر كلمة "إله" من قالبها "الأيديولوجي" فيتحدث عن الهوى بأنه إله يعبد من دون الله "أرأيت من اتخذ إلهه هواه"، ونحن لم نسمع بأحد يسجد ويركع لهواه، لكن عبادة الهوى تكون بخضوع القلب له.
يطرح القرآن أنموذج فرعون في دليل واضح على أن مشكلة الشرك في جوهرها مشكلة سياسية، إذ لم يكن تأله فرعون "لاهوتيًّا"، فلم تكن لديه مشكلة بأن تكون له آلهة يقيم لها طقوسًا تعبديةً "ويذرك وآلهتك"، ووصف بني إسرائيل بأنهم يعبدونه "وقومهما لنا عابدون"، مع أنهم لم يكونوا يعبدونه بالمعنى الطقوسي، إذ كانوا على دين آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فلابد أنه قصد بعبادتهم له خضوعهم لسلطانه.
لقد كان تأله فرعون سياسيًّا؛ فلم يكن يريد أن ينازعه أحد في السلطة "وإنا فوقهم قاهرون"، وكان يخشى أن يزاحمه موسى (عليه السلام) في سلطانه "وتكون لكما الكبرياء في الأرض"، ولولا هذا البعد السياسي لدعوة التوحيد لما حاربها الملوك والسادة والكبراء.
حين نبحث في كل صراعات البشر قديمها وحديثها من السهل ملاحظة أن السبب الجوهري لهذه الصراعات هو الكبرياء والسعي للهيمنة والنفوذ، والاعتقاد بالأفضلية على الناس، فقد رفع هتلر شعار: "ألمانيا فوق الجميع" و"تفوق الجنس الآري"، وها هي أمريكا تخوض الحروب من أجل ضمان بقائها القوة الأعظم، ومن أجل فرض نمطها الثقافي على الأمم والشعوب الأخرى، وها هي كل الحروب ترفع شعار: "كسر إرادة العدو".
إن سعي بعض البشر لكسر إرادة بعضهم تعني في جوهرها أن كل واحد منهم يبحث عن التفرد والزعامة والكبرياء، ولا يريد أن يكون هناك معقب لحكمه، ولا شريك له في ملكه، وهل ادعاء الألوهية سوى هذا؟!
التوحيد في معناه الاجتماعي والسياسي هو رسالة تحرير ومساواة بين الناس "ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله"، واتخاذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا لا يكون في الأغلب بسجود وركوع بعضهم لبعض، إنما بإقامة علاقات بشرية مختلة تحكمها موازين القوى بدل العدل، كما هو العالم اليوم، فهناك زعامات تستعبد شعوبها، وهناك دول مهيمنة تفرض إرادتها على الدول الضعيفة، ولا تسمح لها بمنافستها، وبأن تكون معها على القدر نفسه من المساواة.
إن كل مشكلات الأرض اليوم المتمثلة في الحروب ونهب الثروات والإفساد في الأرض لم تكن لو أن البشر آمنوا بكلمة السواء، وأنه ليس من آلهة على الأرض، إنما هو إله واحد في السماء، فآمن الحاكم بأنه ليس أكثر من إنسان، مثله مثل شعبه، لهم ما له من الحرية والكرامة، وعليه ما عليهم من الواجبات، وآمنت الدول المستكبرة بأن الشعوب الضعيفة هم بشر لهم حقوقهم الإنسانية، ولهم آمالهم وأحلامهم، إن كل هذه المشكلات لم تكن لتكون لو أن البشر حققوا التوحيد في حياتهم.
أنصح بقراءة كتاب: "تحرير الإنسان وتجريد الطغيان" لحاكم المطيري، فقد أبدع في تبيان المعنى السياسي لعقيدة التوحيد التي جاء بها الأنبياء.