تعقيدات المسألة تفوق التصور، وتتفوق على العدّ والإحصاء، وأحسب أن السياسة الدولية والمصالح الاستعمارية والنزاعات الإقليمية تحتل مركز الصدارة في تعقيد المسألة السورية وتأخير الحل وإعاقة مسيرة الثورة الشعبية، رغم الاتفاق الدولي والإقليمي على وجود جرائم ضد الإنسانية، وجرائم قتل جماعي، ويكفي أن المجتمع السوري فقد مائة ألف أو يزيد من خيرة أبنائه من كافة الأعمار ومن الجنسين، وجلهم مدنيون لا علاقة لهم بالأعمال القتالية.
أميركا، ودول الغرب، يستهدفون في مواقفهم أمن دولة الكيان الصهيوني أولاً، وكل ما يتعارض، أو يمكن أن يتعارض مع أمن إسرائيل لا بد أن يقمع أو يمنع من الوصول إلى النجاح، لذا فقد توقفت جميع هذه الدول عن تسليح المعارضة، رغم إدراكها أنه لا مستقبل للأسد، ولا يوجد حل بوجود الأسد، وأن الثورة ستنتصر لا محالة. هذا إدراك يقيني وجماعي عندهم، ولكن النجاح المبكر للثورة السورية يتضمن أخطاراً محتملة على أمن الكيان الصهيوني، وقد عبر قادة الجيش الصهيوني عن ذلك بقولهم: الجولان مرشحة لأن تكون مثل غزة.
وإن (40 سنة) من الهدوء في الجولان قد انتهت، وعلى جيش الاحتلال تحديث وجوده في الجولان ، وتعزيز قواته، وهذا يعطي إشارة إلى إمكانية تدخل استخباري غير مسبوق للموساد في دمشق وما حولها. وخلاصة الأمر أن المجتمع الدولي يشارك في تقييد المسألة السورية، ومن ثمة تجد صراعاً على النفوذ بين روسيا وأميركا في سوريا.
وإذا ذهبنا إلى دول الإقليم نجد أيضاً صراعاً على النفوذ بين دول الإقليم في الساحة السورية، فإيران تخشى نجاح الثورة وخروج سوريا من دائرة التحالف معها ومع حزب الله، وتخشى من تداعيات نجاح الثورة تراجع مكانة حزب الله في الساحة اللبنانية بعد سقوطه من ضمير الأمة العربية والإسلامية.
قبل أيام حدثت معارك حدودية مباشرة بين الجيش الحر، وقوات من حزب الله، وهذا يزيد من تعقيدات المسألة السورية، ويجعل ما بعد نجاح الثورة غامضاً ومحفوفاً بالمخاطر، ولكن يبدو أن أكثر تعقيدات الثورة وأشدها خطورة على الجيش الحر ومجموعة الثوار يأتي من داخل بعض المجموعات المشاركة في الثورة، وبالذات في التصريحات غير المسئولة وغير المبررة لقائد جبهة النصرة الذي أعلن بيعته إلى أيمن الظواهري، وأكد بتصريحاته المفاجئة على وجود تنظيم القاعدة على الأرض السورية، ومنح الغرب المبرر الكافي لوقف تسليح الجيش الحر، ومنح النظام السوري هدية تعزز أسباب ممارسته للقتل والتدمير فهو الآن يستطيع أن يؤكد المؤامرة الخارجية على سوريا، ويستحل بذلك مزيداً من القتل والتدمير.
التعقيدات الداخلية التي فجرها تصريح قائد جبهة النصرة لا تدل على حصافة أو قدرة على إدارة المعركة، ولا تأخذ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، استعينوا على حوائجكم بالكتمان، وهو تصريح يبرز الخلاف والانقسام داخل جبهة الثوار، وداخل قوى إقليمية مساندة لهم، وتزيد من الاشتراطات الإقليمية والدولية عليهم. وكل ذلك على حساب الدم السوري والمدنيين.