'فلسطينيون وعرب' شركاء حقيقيون في الجريمة!!

نشر 12 ديسمبر 2007 | 01:48

 

كانت أولى فصول جريمة السلام بحق الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة قد بدأت في أوسلو، ورغم اتضاح معالم تلك الجريمة ابتداء وتحذير كل ذي عقل ومنطق سوي من نتائجها الكارثية المتوقعة على صعيد الأرض والإنسان والمستقبل الفلسطيني برمته ، إلا أن كثيرا من فلسطينيين وعرب ، تغاضوا وأغمضوا العينين عن تلك التحذيرات من منظور برغماتي وواقعي يأخذ بالاعتبار المعطيات الإقليمية والدولية بما فيها وعلى رأسها موازين القوى الدولية والتغيرات التي طرأت واستجدت على الساحة الكونية برمتها في تلك الفترة.

 

وبالفعل تحققت وترجمت تلك التحذيرات إلى حقائق ووقائع وأرقام أصابت القضية الفلسطينية سلبيا وفي مواقع أساسية وحساسة ، وحاول رأس هرم القيادة الفلسطينية في وقت كان لا يسعف؛ لفرط في التأخير مراجعة وتدقيقا لحسابات السلام ، أن يتلافى منحنى الهبوط الكارثي لمخرجات مشروع التفاوض والسلام مع إسرائيل.وكانت النتيجة على المستوى الذاتي على الأقل ، الحال الذي لاقاه عرفات في أواخر بقية عمره من قبل أمريكا وإسرائيل وحتى من عرب وفلسطينيين محيطين به .

 

لكن الكارثة والمصيبة التي ابتلي بها الفلسطينيون عامة ، هو ذلك المخرج الاوسلوي من عملية صنع السلام على مستوى القيادة السياسية والأمنية ، التي أصرت على التفاوض مع إسرائيل كخيار استراتيجي وتاريخي ،يؤيدهم في ذلك معظم الأنظمة الرسمية العربية المتخالفة استراتيجيا وعلنيا مع أمريكا وشبه علني مع إسرائيل. وقال ذوو عقل ومنطق كثيرون إن هذا إنما يعد في سياق المجرب الذي لا يقبل به حتى العقل الخرب .ومع ذلك أراد كثيرون من فلسطينيين وعرب إتاحة الفرصة مرة ثانية من باب الاعتقاد أن التفاوض في هذه الجولة ربما سيكون له طعم ولون مختلفين عن سابقه ؛ذلك عندما باشر الرئيس عباس ومن معه عقد الاتفاقات والتفاهمات مع الفصائل الفلسطينية وتحديدا في عام 2005 ،من اجل التوصل إلى هدنة مع إسرائيل وعقد انتخابات شاملة على مستوى الأراضي المحتلة ، وقد فهم من مبادرة الرئيس عباس هذه مع الفصائل الفلسطينية ، على أنها من باب توحيد الصف الفلسطيني وتقويته في المطالبة بالحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني المتمثلة بإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة على جميع أراضي ال67 ، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين طبقا لقرار الدولي الشهير 194 لسنة 1948 .
 

لكن الحقيقة بانت غير ذلك ومن خلال الوقائع على الأرض ، حينما ثبت وبالدليل القاطع أن تلك التفاهمات والاتفاقات مع الفصائل الفلسطينية وفي المقدم منها حماس ، إنما كان بغرض احتوائها داخل منظومة السلطة الفلسطينية وبالتحديد المجلس التشريعي فيها ، ليكون سهلا على قيادة السلطة والمنظمة تمرير  مشروع التسوية للقضية الفلسطينية طبقا لما تتيحه إستراتيجية التفاوض التي تؤدي في نهاية المطاف إلى دولة كانتونية على قطاع غزة وما يبقيه الجدار والمستوطنات وعزل الأغوار من مساحة متبقية من أراضي الضفة الغربية ،وأما الهدنة فلم تلتزم بها إسرائيل وخرقتها مرات ومرات.

 

ولما لم يكن في الإمكان تمرير هذا المخطط بسبب الفوز الكاسح لحماس في انتخابات كانون الثاني 2006 ،انقلبت الأمور كليا لدى قيادة خط التفاوض ،فرفضوا نتائج تلك الانتخابات ،وتحالفوا مع القريب والبعيد والعدو وغيره من اجل إسقاط الجزء الأساسي من منظومة السلطة الذي بات عقبة كأداء في سبيل تمرير تسوية كانت هي مشروع شارون الذي أراد خليفته أولمرت تنفيذه ولكنه فشل بسبب فوز حماس وهزيمة حرب تموز مع حرب الله اللبناني . وكانت النتيجة لخيار المواجهة مع حماس بغرض إسقاطها ، هي ما تمخض عنه حزيران الماضي من لجوء حماس لخيار الحسم الميداني تسريعا في مواجهة المشروع الذي كان ينوي إسقاطها ولو بالقوة ' مشروع دايتون' .

 

وبغض النظر عن انكشاف حالة التواطؤ بين المستوى السياسي والأمني لقيادة السلطة ،حين أعلن المستوى السياسي فورا عن تجريمه ونعته للحسم الميداني الاضطراري في غزة بأنه انقلاب على الشرعية،ومن ثم رفضه لكل دعوات الحوار الفلسطينية والعربية إلا بشروط تعجيزية ، وما رافق ولحق ذلك من ملاحقة محمومة لحماس في الضفة الغربية تبين أنها استهداف للمقاومة برمتها تنفيذا لما جاء في خريطة الطريق ، كشرط إسرائيلي للحديث مع السلطة ،وما سبقه أيضا من شرط يطالب قيادة السلطة بالانفكاك من أي شراكة مع حماس على رأسها حكومة الوحدة الوطنية التي جاءت بناء على اتفاق مكة في شباط من العام الحالي ،بغض النظر عن ذلك كله ، إلا أن اللافت المهم هنا كيف أن قيادة السلطة برئاسة محمود عباس وقيادة الأنظمة العربية الرسمية ،كانت تعلن عن جملة شروط للمشاركة في لقاء انابوليس من بينها تجميد الاستيطان والتوصل إلى اتفاق إطار ولاحقا وثيقة مشتركة تدرج فيها القضايا الأساسية للقضية الفلسطينية يتم التوصل إلى اتفاق حولها في سياق زمني محدد ،ثم ليكون الحال مخالفا في أثناء لقاء انابوليس وبعده ،من خلال تمخض ذلك اللقاء عن بيان ثلاثي مشترك يطلق المفاوضات فقط ،دون ذكر للقضايا الجوهرية وإطار زمني حاكم لها.

 

  وبعد انابوليس لاحظ الجميع كيف أن إسرائيل صعدت من حدة عدوانها على الضفة وغزة فاستشهد العشرات واعتقل المئات ،وباشرت الحكومة الإسرائيلية بتدشين مشاريع الاستيطان في القدس ومحيطها ، ومع ذلك ليس هناك موقف فلسطيني أو عربي رسمي يعلن عن انسحابه من مفاوضات وتفاهمات تتخذها إسرائيل وأمريكا وسيلة وذريعة لشرعنة ذبحها وحصارها واجتياحاتها لغزة والضفة الغربية، كما جرى بالأمس من ارتقاء أكثر من ستة شهداء في الضفة والقطاع بالإضافة إلى عشرات الجرحى، الذين أحالت آلة الحرب الإسرائيلية أجساد بعضهم إلى أشلاء .

 

إن عدم اتخاذ قيادة السلطة في رام الله موقفا محددا مما يجرى من انتهاكات إسرائيلية فظيعة بحق الإنسان الفلسطيني وأرضه ومقدساته ،وكذلك في ظل استمرارها بملاحقة واعتقال وتعذيب عناصر المقاومة الفلسطينية ،ضمن حجج غير مقبولة على الإطلاق في الضفة الغربية ، يضعها هي والأنظمة الرسمية العربية في خانة الشريك والمسئول عن سفك الدم الفلسطيني وانتهاك حقوقه في كل صعيد هنا في الضفة أو هناك في غزة المحاصرة.