أجـــاكـ العـــــــو

نشر 09 ابريل 2013 | 09:08

مرات ومرات ، منذ كنت طفلا، حتى أصبح الرأس (شيبا ) تهدد بها الأم صغيرها أو صغيرتها ، ليسكت عن الصراخ ، أو لحثه ليلحق بها إذا ما تخلف عنها ، بينمها هي تحمل على خاصرتها اخاه الصغير ، وفي ذيل ثوبها أخته أثناء سيرها ، ولا باس ان تكون حاملة على رأسها سلة خضراوات أو " بقجة أواعي الأولاد " ، فإذا أحرن أحدهم نهرته : إمش ، فإذا أصر على عناده ليتأخر عن الركب ؛ فلا تجد مناصا من ان تصرخ فيه دون أن تلتفت إليه ( أجــــاكـ العــــو ) والعو – كما هو معلوم – هو الكلب الذي يرتبط أسمه بأنياب ونباح وشخير مرعب ، وقد علم الطفل ذلك من امه ؛ التي طالما هددته به ، فيغرق في خيال مخيف ، معناه أن أنياب الكلب ستغرز في ساقه ؛ إذا ما تأخر أو بكى او طلب مصاصة لا تعدو قيمتها ربع شيكل ! واما النتيجة فهي واحدة من اثنتين ، وكلتاهما تؤديان إلى نتيجة واحدة ، حسب قانون السببية ( ان لكل سبب نتيجة ، لتكون هذه النتيجة سببا لنتيجة أخرى ) ،أ الأولى : فأن يجيء العو ، وهو لن يجيء ابدا ، ويضل الطفل في عناده وإصراره على البكاء و ( التأخر) وأما الثانية : فلا يجيء أبدا فتكون الام كاذبة ، فيستهين بها ، وأما النتيجة النهائية : فإن الطفل ينشأ جبانا ، يخاف من وهم قادم ، لا يتحمل مسؤولية تصرفاته ، وفي موروثنا الشعبي الكثير من مثل هذا ، فقد أرعبتني أمي ذات ليلة حالكة شاتية ، قد تمترست في باب الدار ؛ كي تعطيني أمي قرشا ، وهي لا تملك ذلك القرش المأمول ، وعندما ضايقها (زني) وتهديدي بأنني ( سأبطش ) الدار قالت – رحمها الله – وهي تضحك ضحكا كالبكاء ( تعالو يبو رجل مسلوخة )ولا ادري من هو صاحب تلك الرجل المسلوخة ،وكل الذي ادريه انني كنت ارى اشباحا تخرج لي من تلافيف الظلام بأرجل مسلوخة ، والتي لم تكن تعني شيئا إلا أن صاحبها مخيف وشرير ، وسيسلخ رجلي إن بقيت ما أنا عليه ، ونجحت أمي في ان تحضنني بقوة وهي لا تزال تردد ( إتخافش يما إتخافش ) وبعد أن رميت بجسدي كله في حضنها وانا أولول ( يماااااااا ) ! من المؤكد أن أمي لم تخطط أن اكون جبانا أخاف من مجهول ولو كان ( أبو رجل مسلوخة )، ولكن مضت سنوات وانا ارى حولي آباء الأرجل المسلوخة ، كلما أحاط بي الظلام ، حتى وإن كنت تحت اللحاف ، ولم اتحرر من هذا الخوف إلا بعد ان صارت امي تصفني عند صويحباتها بأنني ( شاب ) ، و ( زلمة ) ، وترسل بي إلى الدكان .. كنت ادفع عني الخاطر المخيف شيئا فشيئا ، لأنني ( شاب ) و ( زلمة ) ، حتى زالت صورة الرجل " ذي الرجل المسلوخة " من خاطري عند دخولي المدرسة لأول مرة ! وقد اصبحت في عداد الرجال لأخلص إلى أن (البيت ) و ( البيئة ) هما من يجعلان الأولاد (جبناء )أو (شجعانا ) .

 

قدر لي ان اقرأ عبارة لحكيم الصين ( كونفوشيوس ) قال فيها : " إذا حاقت بك الأقدار ، فاقذف بنفسك فيها تنجو " فاتخذتها مبدءا أربي عليها أولادي ، ورغم ذلك فقد وجدت من بناتي من تخاف حتى – السكتة القلبية – إذا رأت صرصارا او فأرا ، واعترف أنني فشلت فشلا ذريعا في تحريرهن من ذلك الخوف ، ورغم ما سقت من ادلة قطعية الدلالة على ان الصرصار أو ذلك الفأر هما من اجبن الكائنات ، امام أجبن طفل ، وبشيء من التقصي وصلت أن السبب في ذلك يرجع إلى المدرسة ، فكلاهما ينقل الأمراض ، وكلاهما يعيش في القذارات ، كلاهما يقرض الكتب والملابس ، وكلاهما وكلاهما .... فترشح الخوف منهما ، وقد اخذه الصغار عن الكبار ( الذين هم صغارٌ ايضا ) ، الأمر يمنع الطفل من الذهاب – وحده – ليقضي حاجته ، خشية أن يكون غول اسمه (الصرصار )! هو نفسه الشعور الذي سيطر على الكثرة الكثيرة من مواجهة الصهاينة لمفاهيمهم تسللت إلى وجدانهم وقلوبهم من ضابط المخابرات ( الصهيوني ) ، بدعوى أنه يعلم ما توسوس به نفوسهم ، وإذا ما وقع أحد في أيديهم ؛ فالعذاب الشديد الذي لا تتحمله الجبال الرواسي ، ثم سنوات السجن او الإبعاد ، إنها ( اجاكـ العو ) في صورها المختلفة ( العو ، وابو رجل مسلوخة ، الفار ، والصرصار ، والصهيوني ) ، تلك الجبهة الهشة التي سرعان ما تنهزم امام طفل لم تقل له امه ( أجــــاكـ العو ) وأخواتها .