صعب جداً كالكتابة على الرمال المتحركة وقت هبوب العاصفة ؛ أن تخاطب ضمائر متحجرة أو تحاول دب الحياة في عروق جامدة لشيء ما ؛ شارف على الموت ويعيش نزاعا يوميا فيما يشبه موتا سريريا قد ينجو المريض منه إذا تدخلت الإرادة الإلهية فقط ؛ وليس الإدارة الأمريكية ، وما أصعب أن تتحدث عن الشرف المحتضر بعدما لم تنجح المحاولات الفاشلة لاستعادة نبضه ليليق بحقهم أن يُخاطَبوا الآن بصيغة النعي: إنْ تبقّى شرفاء!!
وإلى أن نجد تعريفاً واحداً وواضحاً للشرف في هذا الوقت الصاخب بحناجر (لعلعت) في التطاول على كل عناوين الشرف والوطنية ، فإننا نخشى كما خشينا دائماً أن يصبح الشرف وجهة نظر كما أمست الخيانة مجرد وجهة نظر ، يُشهر المنبطحون من (العبابسة) بذاءة ألسنتهم الصفراء في الدفاع عنها ، كما أشهروا من قبل بنادقهم التي تهشمت في غزة كأوراق الشجر في خريف قاحل لأمراء الحرب ، وتنبري أقلامهم في تزيين الوجه القبيح للخيانة كوجه التي يجلسون معها وإليها ، ويقومون – غير آسفين- بتقبيل ما تيسر من تجاعيد الحقد المستعر في وجهها المهترئ !!
سيقال أيضاً أننا بلغنا في التطرف ، مداه كما يحق لأفواه أطفال الموظفين الجوعى الذين حرمتهم روابط (منّاع) القروية كسرة الخبز ، (فمنّاع) ولكلٍ من اسمه نصيب إلا ذاك ؛ كغيره من الذين أثبتوا أن هناك أنماطاً لا تحصى 'للعمالة' أو 'التنسيق' سيّان!!، التي من أكثرها وفرةً أن يتألق 'العميل' على شاشات الفضائيات كثائرٍ خرج لتوه من إحدى المغارات أو بطلٍ قومي منشغلٍ حتى النخاع، لا يجد وقتاً – ليحكّ شعره- تاركاً تلك المهمة – حكّ الشعر وغيره- لمومس يلتقيها أو تلتقيه، لا اختلاف،في أحد النوادي الليلية، وما أدراك؟!!
ولكن ما الجدوى من تشخيص تلك الحالة المتعفنة؟ وما الفائدة في أن أعيدها بتفاصيل قرفها اليومي وأسرد أحداثها التي تستفز في أذهان القراء كل فقرة في كتابٍ قرؤوه عن أشهر عمليات الجاسوسية وأبرع شخوصها؟ هم ربما'أي الجواسيس الحقيقيون' كانوا يضحون من أجل شعبهم وقضيتهم ويقدمون خدمة عظيمة تدفع حكومات دولهم إلى نحت تماثيل لهم أو نقش أسمائهم في ذاكرة الشعوب وعلى حجارة كريمة في الميادين العامة ، أما هذه النوعية من لقطاء الوطنية ، فستُنقش أسماؤهم – إذا تورطوا في العمالة وأمعنوا في الانبطاح- في نعال الكادحين بحثاً عن خبرهم المر ، وفي بساطير الفدائيين ، هذا إن رضيت البساطير بشرفٍ لا تستحقه...؟!!
الشرعية التي تدعو الطبيب إلى الجلوس في بيته وترك المريض ينزف حتى الموت أو التي تسعى بكل 'القانونيين والحقوقيين 'الذين لم يتعلموا من تخصصهم إلا سرقة أموال الناس واستخدام قوة القانون لمآرب حزبية أضيق من فتحة الإبرة ، مستهدفين في ذلك القضاء على 'القضاء' في غزة المحاصرة التي تنافح الدمار بجثث الموتى على قارعة الحصار وبدموع الجوعى في المخيمات والذين لا تسترهم بعد الله إلا الجدران الأربعة . لقد سرني كثيرا رسالة الشرطة الفلسطينية في غزة إلى الوطن والى العالم وكل فلسطيني حر أنَّ غزة محاصَرَة ولكن ليست مخدَّرَة بعد أن ضبطوا من المخدرات ما قيمته أربعة ملايين دولار وهذا ما لم تنجزه الأجهزة 'المظفرة'على مدار ثلاثة عشر عاما . وكيف يحققون انجازا كهذا وهم متورطون حتى النخاع في الاتجار بكل ممنوع ومحرم وعلى رأسها الاتجار بفلسطين ، قضيةً وشعباً.
'إن تبّقى شرفاء'، فالوقت متبق لمرةٍ واحدة فقط ، لغسل أيديهم الملطخة بعار الذل والخنق لشعب محاصر مجوّع ، غسلها تحت أولِ جرحٍ مفتوحٍ لفدائيٍّ ينزف حنة وعبيراً !!
وليس أخيرا فإنه رغم ما يمكن أن يستخدمه عباس من تكتيكات جديدة فإننا إزاء سذاجة طفولية غير بريئة لتلك الزمرة ، تضحكنا إلى حدّ البكاء ؛ كما أضحكتنا إلى حد اليأس أبيات الشاعر الثائر أحمد مطر:
' عباس يستخدم تكتيكاً جديداً'.
بعد انتهاء الجولة المظفرة
(عباس) شدّ المخصرة
ودسّ فيها خنجره
وأعلن استعداده للجولة المنتظرة
***
اللص دقّ بابه
... اللص خط حوله دائرةً
وأنذره: إياك أن تجتاز هذي الدائرة
...عباس والخنجر ما حاجته؟!
للمعضلات القاهرة
وغارة اللص؟!
قطعتُ دابره
انظر لقد غافلته