عمائم تحت عباءة أنابوليس

نشر 10 ديسمبر 2007 | 03:14

لعل أكثر القراء يذكرون قصة 'شاس بن قيس'. هذا اليهودي كان يحضر مجلسا للأنصار فغاظه اجتماعهم وائتلاف كلمتهم؛ فما كان إلا أن حرّش بينهم ليزرع بينهم العداوة والبغضاء؛ وفتنهم حين ذكّرهم بقصة يوم بُعاث حين قَتَلَ أولاد العمومة بعضهم البعض. نهاية القصة كما وردت في السيرة معروفة؛ فمن كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم لم يكونوا ليضلوا؛ ومن كان سيد الخلق يقوم فيهم مربيا ومعلما وموجها لم يكونوا ليضيعوا. انتهت الحادثة إذا بمصافحة وعناق ودموع بين الإخوة المفتونين؛ وباء 'شاس بن قيس' بالخزي والعار وصار أمثولةً تُحْكَى في الدس والخديعة والفتنة إلى يوم يبعثون!
 
لكن شاساً أو شأساً هذا كان منسجما مع نفسه ومع يهوديته؛ فهو حين يوقع بالمسلمين فإنه يسدي خدمة لبني قومه؛ وهو حين يكون فتَّانا صانعا للشر عندنا فهو في معايير يهود 'فدائي' يسدي خدمة سياسية وأمنية قيمة لقومه حين يعمل على ضرب وحدة عدوهم الذي يكرهون. هذا شاس بن قيس اليهودي؛ أما شاس بن قيس الفلسطيني فهو يسعى للوقيعة بين الفلسطينيين أنفسهم! شأسنا نحن يسعى لأن يكون بأسنا بيننا لا على عدونا؛ ويسعى للدفاع عن مخازي حزبه وفريقه بإطلاق كلام ودعاوى فيها بث للوقيعة بين حجاج الضفة وحجاج غزة؛ فكيف كان ذلك؟
 
حدث هذا حين أخذت المفاجأة جمال بواطنة؛ وصَعِقَ وزير الأوقاف وسادته في الحكومة الموالية للاحتلال في رام الله حين تمكنت حماس مؤخرا من أرسال حجاج بيت الله الحرام من غزة إلى مصر عبر معبر رفح (وصل الأمر لحد أن يحرض محمود عباس الكيان على سؤال أمريكا أن تقرِّع مصر لفتحها المعبر!). تصوروا أن الوزير الشيخ اللحي المعمم لم يشكر حماس على هذا السبق وهذا النجاح. تصوروا أنه لم يشكر حماس أنها جنبت حجيج شعبها مشقة المرور من معبر 'إيريز' – من القطاع إلى الكيان - ثم السفر تحت رحمة الصهاينة في مناطق سيطرتهم داخل الكيان وصولا إلى حدود مصر؛ وعلى ما في ذلك من إرهاب لهم وشبهات قوية لمحاولة الإيقاع ببعضهم في حبائل المخابرات الصهيونية وكما تؤكد سوابق كثيرة. تصوروا أنه لم يدع مكرمة إسداء الشكر لمن وصل غزة بالبيت الحرام وحسب؛ بل إنه راح يتساءل مشككا عن 'سر' فتح المعبر الآن! وعن سبب عدم فتح المعبر للطلبة والمرضى فيما مضى!
 
أما سجاياه الشأسية القيسية فتجلت حين اتهم حماس بأنها سرقت من حصة حجاج الضفة وحرض بعضاً من حجاج الضفة بما يزرع الكراهية في قلوبهم نحو حجاج غزة؛ مع أن هؤلاء المغلوبين على أمرهم من حجاج القدس كانوا ضحية خداع وكولسات رتب لها الشيخ الأنابوليسي وحكومته العميلة للقضم من حصة غزة؛ وبعد أن وزعت كثير من المقاعد في الضفة على المحاسيب ودون عدل أو نزاهة أو أمانه؛ واستنفذت حصة الضفة كاملة قبل أن يتم شمل المقدسيين الثمانمائة المستحقين للحج حسب القرعة!
 
وبدلا من الإعتراف بالذنب أو الانخراس إحساسا بالعار والمسؤولية فقد قال جمال بواطنة للسائلين من بيت المقدس عن سبب تأخرهم في الحصول على تأشيرات دخول سعودية: 'اسألوا إسرائيل وحماس عن السبب'!
 
بالله عليكم هل هذه سيرة إنسان سوي النفس فضلا عن شيخ وصاحب عمامة؟ كيف يمكن أن لا يكون رد فعله على خروج حجاج غزة من معبر رفح – لو كان صاحب خير حقا – أن يشكر مصر وحماس على هذا الإنجاز ويدعو لفتح المعبر لعامة المسافرين بعد ذلك من مرضى وطلاب وكل ساعٍ في مناكبها؟! وإن كانت الغيرة والحسد من تمكن 'الإخوة' من كسر الحصار المفروض عليهم – والذي تسنده حكومة الشيخ العميلة – يبرر هذا الكلام الموتور وردة الفعل المضطربة هذه؛ ويبرر التحريض على غزة وحجاج غزة؛ فأي وقاحة هذه تسعفه ليقول 'اسألوا إسرائيل وحماس عن السبب'؟! ما هي يا ترى شبهة التواطئ الصهيوني في خروج حجاج غزة؟!
 
وهل أنت أعمىً أم متعامٍ يا شيخ المقاطعة؟! وهل هناك أحد أقرب لأحضان إسرائيل ليسألها من سيدك العميل العباس في وجه شعبه والضحاك في وجوه يهود؟ سيدك الضحاك في وجوه الصهاينة والأمريكان؛ بمن فيهم إخوان القردة والخنازير؛ وبمن فيهم المثليون جنسيا ممن قبلوا ذات الوجنات التي لطالما قبلتها من رئيسك؟! بودي لو أنني أرمي هذه العمامة الدايتونية بأنها على رأس عالم من علماء السلاطين؛ لكنني لا ألبث أن أتذكر أنك لست بعالم؛ وأن 'الأراغوز' محمود عباس ليس بسلطان!
 
وبواطنة حين يفجر في الخصومة فهو يتكلم 'شروي غروي'؛ ويسرف في توجيه سهام النقد المسموم لحماس ولو بمستوى الخطاب الذي يمكن أن يدور عند الطابون أو على العين بانتظار امتلاء جرة الماء فيقول بالنص الحرفي الركيك (كما جرت العادة في كل ما يقولون!): ' ان حجاج الضفة الغربية الذين غادروا أرض الوطن لم يعانوا من اي مشكلة وجميع أمورهم سالكة , ولكن اذا في شكاوى من بعض الحجاج فهم حجاج قطاع غزة الذين ادخلتهم مصر عبر معبر رفح'! هكذا إذاً...فقط حجاجهم 'هم' يشكون أما حجاجنا نحن 'فلا يشكون'! صحيح أنه يحدث في السياسة أن يختلف الناس ويتصارعوا ويبلغ الافتراق بينهم حدوداً قصوى؛ لكن أن تصل الأمور لحد استعمال هذا الخطاب الصبياني فهذا أمر عجيب لا يليق إلا بعلماء الباب الواطي!
 
وليست هذه أول مكارم الشيخ المنافق؛ فالرجل سبق له وأن طعن في كل لجان العمل الخيري والزكاة في الضفة الغربية؛ واتهمها بعدم الأمانة وتضييع الأموال؛ مع أن الواحد من عمال هذه اللجان روِّع في دنياه باعتقالات الصهاينة واقتحاماتهم ما يسع ألف ألف بائع لضميره وحالق لكرامته مثل بواطنة! وإن كان الصهاينة – أرباب عمل رب عمل الشيخ الهمام – لم يدعوا اللجان الخيرية من الاقتحامات والاعتقالات كما تقدم؛ فإنهم لو وجدوا دليلا واحدا على أن حماس كانت تستغل العمل الخيري لأنشطة تنظيمية كما قال بواطنة لما وفروا هذه المؤسسات من الإغلاق والمصادرة (نحن هنا طبعا نفترض تجاوزاً أن 'إسرائيل' حريصة على قمع حماس وتجفيف منابعها أكثر من الشيخ الضِّليل؛ لكننا نترك للقاريء الحق في الاعتقاد بصحة معكوس ذلك؛ ولن نلومه بحال!)
 
والشيخ الأنابوليسي بالشيخ الأنابوليسي يذكر! فعلى ما يبدو فإن قاضي قضاة فلسطين – أسماء كبار لمسميات صغار - لم يكلف الصهاينة والأمريكان أكثر من رحلة إلى بلاد العم سام ليعود لنا من هناك بفتوى تجيز الاعتراف بالكيان الصهيوني؛ وليقرر بكل بساطة أن ما تطالب به حماس من 'هدنة طويلة الأمد' يعني الاعتراف بالكيان؛ وأن الأمر بكل هذه السذاجة وهذا الاسفاف وهذا الاستخفاف بمعاني الكلمات وهذا التسطيح الخياني لا يحتاج كل هذا الصدام والجدل. ونسي تيسير التميمي طبعا أن يذكر لنا اسم الشيخ الذي أقر هذا المنهج في الفقه الانتهازي على مذهب الإمام 'ميكيافيللي'!
 
هذه قضية خطيرة أيها الإخوة؛ فعمائم أنابوليس تكذب لنشر دعاية حزب التفريط. هناك شيوخ تكذب: التميمي حين يلوي عنق النص والفهم و'ألف باء' المنطق ليمرر خيانات خطه السياسي؛ وبواطنة الذي لا زال يطالب بخروج حجاج القدس مع أنه سبق وأعلن –قبل خروج حجاج غزة من رفح - أن كل الحجاج قد غادروا ولن يغادر المزيد منهم بعد الآن؛ لكنه الآن يتبنى قضية الذين خدعهم من حجاج القدس للمماحكة وليستغل الحادثة للنيل من حماس؛ ألا هيهات ما يوعدون!
 
الطريف في حالة التميمي – أو المبكي له لو كان في قلبه مثقال ذرة من خير – أن أحد 'المرابع' القريبة جدا من حركة فتح على الانترنت والمهتمة بتأليف وتحريف الأخبار لمصلحتها قد وجدت - على ما هي فيه من سقوط وابتذال – أن الشيخ 'زودها' كثيراً؛ وعنونت خبر فتواه الكرتونية بكلام قبيح يسخر بركاكة الفتوى...ونحن هنا نعف عن نقله! فهل تيسير التميمي الآن فرح بهذه الفضيحة التي جعلت منه مفرطا حتى في عرف من 'بدعوا' التفريط والتسيب؟! وجعلته يشبه البطل في النكتة القبيحة التي يقول فيها الشيطان الرجيم للحاكم الظالم 'خاف ربك يا رجل من اللي راح تعمله'؛ لأن نوايا ذلك الحاكم كانت شراً مما خطر على بال إبليس نفسه؟!
 
حين نقارن مواقف المشايخ والعلماء في فريق الثوابت الفلسطينية وثوابت الامة في حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي وحزب التحرير الإسلامي من جهة؛ بخطابات ومضامين وبضاعة مشايخ أوسلو من جهة أخرى؛ فإننا نزداد يقينا بأننا على الحق؛ وأن فريق 'دايتون' الملفق بسرعة وعلى الباطل هو فريق ضال مضل لا يأتيه الصواب من بين يديه ولا من خلفه...ولن يسعفه الاحتماء خلف لحى كثة وعمائم ملتفة جرى نسجها على عجل! فما تظلله عباءة 'أنابوليس' نجس مدنس لا يطهره ملء محطيات الدنيا من المسك والعنبر؛ ولا من ماء زمزم يا وزير الحجيج!
 

 رشيد ثابت 
10/12/2007