في ظل الانشغال الإسرائيلي الرسمي والبحثي في حالة التوتر الآخذة في التزايد في العلاقات الإسرائيلية التركية؛ جاء اعتذار رئيس الحكومة "بنيامين نتنياهو" لنظيره التركي "طيب أردوغان" بصورة لم تفاجئ كثيرًا صناع القرار في المنطقة، التي تغلي على صفيح ساخن، ويبدو الملف السوري طاغيًا على سواه، وقد يكون المحرك الأكبر لهذه "المصالحة".
السطور التالية تناقش أبعاد هذا الاعتذار، ومستوى دلالاته المتوقعة، ومفاعيله المرتقبة "لكبح" جماح الأتراك في سياستهم الحالية، بعد أن بدا واضحًا أن توقيت الاعتذار جاء في مرحلة تعد "الأسوأ" في تاريخ العلاقات الإسرائيلية التركية، لاسيما أن أوساطًا نافذة في (تل أبيب) تشير بـ"مرارة" إلى أن (إسرائيل) فقدت تركيا فعلًا، وربما إلى الأبد، إذ لم يقتصر التخوف الإسرائيلي على عدم عودة العلاقات الثنائية إلى سابق عهدها، خاصة في عقد التسعينيات من القرن العشرين، وإنما هناك خشية حقيقية من فرضية قطع العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين.
هذا فضلًا عن أن الاعتذار خرج إلى النور في حين تشهد العلاقات التركية العربية تطورًا ملحوظًا، ومقلقًا في الوقت نفسه لدوائر صنع القرار الإسرائيلي، في ضوء أن ذلك قد يخلق ما يمكن أن يشبه محورًا جديدًا يشكل إخلالًا بالتوازن القائم في المنطقة، خاصة بالنظر إلى التغير الحاصل في السياسة الخارجية التركية منذ عام 2002م، إذ اعتلى حزب العدالة والتنمية السلطة هناك، وهو لا يخفي توجهاته الفكرية و"أيديولوجيته" الإسلامية.
من الصعب مناقشة الاعتذار الإسرائيلي، والقبول التركي السريع له، دون تسليط الضوء على شخصية مهندس السياسة الخارجية التركية وزير الخارجية "داود أوغلو"، وهو يدير سياسته الخارجية وفق خطين أساسيين: أولهما العمق الإستراتيجي لتركيا في الأفق الإقليمي المحيط بها، وثانيهما سياسة "صفر المشاكل" التي يسعى من خلالها لحل مشاكل تركيا الخارجية مع جيرانها.
هذا فضلًا عن أن التدخل الحاصل من قبل تركيا في ملفات إقليمية معقدة، لم تكن حاضرة فيها في السابق؛ له علاقة وثيقة بما يسمى في المحافل التركية اليوم "استخدام القوة الناعمة" لأنقرة في الإقليم "الجيو-سياسي" المجاور لها، ولذلك جاء "تورطها" في الملف السوري، وفك حصار غزة، والمفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية؛ تعبيرًا أصيلًا عن هذه السياسة الجديدة.
ويلاحظ كاتب السطور أن تركيا لا تدير علاقاتها الجديدة على حساب تراثها التاريخي مع الغرب، تحديدًا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بل إنها تسعى لإيصال رسالة مفادها أن تمتين موقعها الإستراتيجي والسياسي في الشرق الأوسط يفترض أن يعد "كنزًا" للسياسة الغربية في المنطقة.
ويمكن التكهن بصورة تقترب من اليقين أن من الدوافع التي ساهمت بتنازل "نتنياهو" عن كبريائه، والاعتذار لـ"أردوغان"؛ تلك العلاقات الوثيقة التي تربط تركيا بحلف (الناتو)، إذ تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، ما يعد تحديًا حقيقيًّا لـ(تل أبيب)، ولذلك لم يكن من الأكيد أن يتعاطى الغرب كثيرًا برغبة (إسرائيل) في الانتقام من تركيا، لاسيما أن الأخيرة تمتلك بموقعها الإستراتيجي و"الجيو-سياسي" أهمية استثنائية لدى قيادة الحلف، ولا تجد بديلًا عنها في قدرته على الإطلال بصورة كافية على منطقة الشرق الأوسط.
ويحتم الاعتذار الإسرائيلي تناول أبرز الملفات السياسية التي شعرت (إسرائيل) أنها "اقتحام" تركي غير منسق معها، ومن أهمها المواقف التركية المنحازة للفلسطينيين، وتحديدًا عقب اندلاع الانتفاضة الثانية أواخر عام 2000م، إذ رفعت أنقرة وتيرة الانحياز للفلسطينيين مع فوز حماس في الانتخابات التشريعية أوائل 2006م، وكانت أول دولة في العالم تدعو قيادتها إلى زيارتها، ما عدته (تل أبيب) تجاوزًا لخطوط حمراء كثيرة.
هذا فضلًا عن أن (تل أبيب) إن كانت تلعب في الماضي على عمق علاقاتها الإستراتيجية مع المؤسسة العسكرية التركية؛ فإن ذلك العهد انقضى إلى غير رجعة، في ظل حالة الضعف التي تعتري الجيش، وقدرة رئيس "أردوغان" على "ترويض الجنرالات" دون الدخول معهم في مواجهة دامية.
ولذلك؛ حذرت دوائر مقربة من "نتنياهو" من مغبة أن يواصل سياسة التعامي عن الوضع القائم في تركيا اليوم؛ لأنه من الواضح أن حزب العدالة والتنمية سيحظى بفوز كاسح في الانتخابات القادمة، وسيواصل سياسته الخارجية، ما يعني تسجيل نقاط سلبية في المرمى الإسرائيلي.
أخيرًا يمكن عدّ الاعتذار الإسرائيلي لتركيا، وقبول الأخيرة به؛ "خريطة طريق" حقيقية لصناع القرار في المنطقة، بعيدًا عن "النزق" الحاصل في السلوك الإسرائيلي مع أنقرة، في ضوء الحرص على ألا تبدو في كامل عزلتها الإقليمية والدولية، وهي في حالة خسارة يومية للمزيد من الحلفاء والأصدقاء.